باغتيال وزير الصناعة بيار جميل وفي هذا التوقيت بالذات، يكون لبنان الشقيق قد دخل منعرجا خطيرا يضع مستقبله على حافة المجهول،وقد بات واضحا أن حالة الاحتقان التي دخلها لبنان منذ اغتيال الحريري وخاصة إثر العدوان الصهيوني وتداعياته الكثيرة والخطيرة في طريقها لأن تأخذ الفرقاء اللبنانيين الى نقطة اللاعودة.
تلك النقطة التي تتفجر فيها التناقضات والصراعات وتعجز مفردات الحوار الوطني والنوايا الحسنة وحتى منطق الصفقات عن فعل مفعولها وتطويق الازمة ضمن اطارها السياسي الذي يبقي كل اللبنانيين على نفس القارب،والواقع أن لبنان وبحكم موقعه وتركيبته قد تحول الى ساحة للصراعات الاقليمية وحتى الدولية.
والى ساحة للتنفيس عنها ولتصفية الحسابات حين يعجز التنفيس عن احتواء وتائر الاحقان واستفحال الازمات، لذلك فان لبنان الذي ينوء بطبعه بأعباء كبيرة سببها التناقضات نتيجة تركيبته الفسيفسائية وتنوعه العرقي والطائفي يجد نفسه مشتتا بين ضرورة احتواء تناقضات أبنائه الداخلية وضرورة مراعاة الحسابات الاقليمية والدولية.
وبالنتيجة يجد لبنان نفسه كمن يمشي على الشفرة، فلا يجب ان يفقد توازنه فيسقط، ولا يجب أن يتأرجح فيجرح ، وهو واقع اثبتت الايام انه صعب ان لم يكن مستحيلا اذا ترك اللبنانيون وحدهم واذا اكتشف الجوار القريب (الصهيوني) والبعيد (القوى الدولية) أنه معزول وظهره مكشوف وبلا سند من اشقائه العرب، حيث يسارع هؤلاء وأولئك الى لعبة تصفية الحسابات على الساحة اللبنانية، غير عابئين ان اتخذوا مطاياهم هذا الفريق او ذاك،أو ركبوا هذا الملف أو ذاك.
من هنا فإنه لا مفر للبنان من محيطه العربي، ولا مفر للاشقاء العرب من استحقاقات الاخذ بيد الشقيق اللبناني ومساعدته على تجاوز أزمته واستعادة توازنه ، ومتى يصبح التحرك العربي في اتجاه لبنان لمساعدة أبنائه على بلورة أرضية تفاهم ووئام تراعي المعطيات الجديدة واجبا لا يحتمل التأجيل.
ولن يكون في مثل هذا التحرك اي عيب او وصاية على الأشقاء في لبنان، أولا لأن حاجتهم باتت أكيدة للحاضنة العربية وثانيا لأنهم سبق وجربوا هذه الحاضنة (اتفاق الطائف) والتي مكنت من إطفاء حريق الحرب الاهلية ومن اعادة الاستقرار والامن لهذا البلد الذي وضعته الجغرافيا في قلب منطقة ساخنة رمالها متحركة باستمرار.
ونعتقد أن لبنان بات اليوم وخاصة بعد جريمة اغتيال الوزير بيار الجميل بما تحمله من تصعيد لوتائر الاحتقان ومن سعي خبيث لصب الزيت على نار تعتمل تحت الرماد يقف أمام مفترق طرق ، فإما أن يتقدم نحو التفاهم والوئام ليبقى وطنا للجميع وهذا ما نرجوه.
وإما أن يأخذه أعداؤه الى حافة المجهول،ولبنان في هذا المفترق يحتاج أشقاءه العرب ويحتاج منهم اكثر بكثير من الفرجة أو التحريض أو محاولة الاستقطاب وتسجيل النقاط... لبنان يحتاج جهدا عربيا مخلصا ولا تشوبه شائبة.
جهدا يطمئن اليه كل اللبنانيين ويحوز من الجد والمصداقية ما يمكنهم من العبور الى شاطئ الأمان وتفويت الفرصة على الاعداء الحقيقيين في المحيطين القريب والبعيد (اسرائيل والقوى الدولية الطامحة الى فرض هيمنتها على لبنان والمنطقة برمتها)حتى يعود لبنان بيتا لكل اللبنانيين وبيتا لكل العرب.