اغتيال وزير الصناعة اللبناني بيار الجميل في وضح النهار أمس الاول كان الحلقة الأخيرة في مسلسل غامض لم تستطع السلطات اللبنانية اكتشاف الجناة أو حل ألغازه على الرغم من توالي حلقات المسلسل الاجرامي أولا في عهد ما يسمى بالوصاية السورية ثم في الفترة التي أعقبت خروج القوات السورية من لبنان وتشكيل الحكومة اللبنانية الحالية برئاسة فؤاد السنيورة والتي انتهجت سياسة مستقلة بعيدة عن تأثيرات حكومة دمشق ومتناغمة مع ارادة المجتمع الدولي وان كانت متناقضة .
في الوقت ذاته مع توجهات قطاعات واسعة من اللبنانيين وخصوصا حزب الله وحلفائه الذين اتهموا حكومة السنيورة والأكثرية النيابية التي تدعمها بمسايرة المخططات الاميركية والاسرائيلية من ناحية وفي مواجهة المحور السوري الايراني من الناحية الاخرى .
ومهما كانت الجهة التي نفذت عمليات اغتيال قادة لبنان السياسيين والاعلاميين او حاولت اغتيالهم بدءا من محاولة اغتيال مروان حمادة ثم قتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وسمير قصير وخليل حاوي وجبران تويني ومحاولة قتل الاعلامية مي شدياق وأخيرا جريمة اغتيال الوزير بيار الجميل مهما كانت هذه الجهة أو الجهات المنفذة والجهات التي تستفيد منها .
فالحقيقة المؤكدة هي أن هذه الجرائم زادت من حدة التوتر والاصطفاف السياسي الطائفي في لبنان وتوشك أن تدفع بالمجتمع اللبناني الى حافة الانفجار وربما اعادة اشعال الحرب الأهلية تلك الحرب التي اكتوى اللبنانيون بنارها خمسة عشر عاما ودفعوا ثمنا باهظا من الارواح والدمار خلالها ولم تضع اوزارها الا بعد جهود مضنية ووساطات عربية وأجنبية لا أول لها ولا اّخر .
وما يتعين على القادة السياسيين والطائفيين في لبنان ادراكه هو أن التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في بلادهم لا تسير في اتجاه الوئام والمصالحة وأن عليهم الارتفاع الى مستوى المسؤولية الوطنية بعيدا عن المنافع الشخصية والطائفية التي قد لا تتفق دائما مع المصلحة اللبنانية العليا .
وليس خافيا على هؤلاء القادة المحنكين أن هناك الكثير من الأطراف الخارجية التي تلعب على الساحة اللبنانية والتي تسعى الى تصفية حساباتها على الساحة اللبنانية أو مع هذه الساحة وتفضل بطبيعة الحال أن يكون اللبنانيون قادة وأفرادا وقودا لهذه التصفيات .
ويهم الشعب الفلسطيني الذي تربطه أوثق العلاقات مع الشعب اللبناني الشقيق وتقاسم معه أعباء النكبة الفلسطينية الكبرى منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا مرورا بالاعتداءات والاجتياحات الاسرائيلية للقطر الشقيق حين امتزج الدم الفلسطيني واللبناني على تخوم العاصمة اللبنانية وفي الجنوب- يهم الشعب الفلسطيني أن يعود الاستقرار والهدوء والسلم الاجتماعي الى لبنان .
وهذه مصلحة فلسطينية وعربية كبرى كما هي مصلحة عليا بالنسبة للأشقاء اللبنانيين ويعتبر تحقيقها مطلبا ملحا يتمناه كل من يريد الخير للبنان وشعبه في حاضره ومستقبله .
وفي الوقت الذي هزت فيه جريمة اغتيال بيار الجميل ضمائر الفلسطينيين اشفاقا على لبنان من عواقبها ومضاعفاتها فان شعبنا اذ يتقدم بتعازيه الى والد الفقيد الرئيس أمين الجميل الذي أظهر جلدا وصبرا في هذا الموطن الصعب وحكمة وبعد نظر واحساسا بالمسؤولية الوطنية يستحق عليها التقدير والى عائلة الفقيد والشعب اللبناني عامة فان الامل يحدونا بان يتجاوز اللبنانيون هذه المحنة وأن يتمكنوا من استعادة وحدتهم الوطنية من خلال الحوار والتفاهم ليعود لبنان كما كان ذات يوم معقلا للوئام والتعددية والديموقراطية ومشعلا للحرية والاشراق في الوطن العربي كله.