بعيدا عن الشعارات واللافتات الموجهة, فإن عشرات الآلاف من اللبنانيين, الذين خرجوا أمس لتشييع جثمان وزير الصناعة والنائب في البرلمان اللبناني بيير الجميل, حملوا رسالة واحدة وهي أن لبنان لا يستحق ماحدث, وبالتأكيد فإن بيير الجميل لا يستحق ذلك أبدا.
إن هذه الجموع الحاشدة, يمكن أن تكون وقود النار التي يلوح لظاها في الأفق, وذلك إذا ما تم توجيهها وتحريفها مذهبيا وسياسيا, وهي أيضا يمكن أن تكون دافعا أو حافزا على عودة اللبنانيين إلى الحوار من جديد, وحل كل مشاكلهم, وهي كثيرة وخطيرة, على مائدة الحوار والتشاور, وليس من خلال الشارع والمظاهرات التي لا يعلم إلا الله عواقبها, وهنا تأتي حكمة تصريح الرئيس حسني مبارك مساء الثلاثاء الماضي, تعليقا على اغتيال بيير الجميل إذ دعا اللبنانيين إلى التحاور لا التقاتل حتي لا يخسروا بلدهم.
إن الرئيس مبارك لم يكن مبالغا على الإطلاق في هذا التحذير, فالوضع في لبنان وحالة الاستقطاب الحادة بين الفرقاء, وعدم رغبة الأطراف في التوصل إلى حل وسط, أمور شديدة الخطورة يمكن أن تتطور إلى مالا تحمد عقباه, مما سيجر البلاد والمنطقة إلى أزمة قد تعيد للأذهان ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية المدمرة قبل17 عاما.
إن وفاة الجميل برغم أنها خسارة كبيرة لأسرته ولوطنه لبنان فإنها يمكن أن تكون فرصة لأن تقتنع الأطراف المتنازعة بأن استمرار هذا النزاع من شأنه أن يودي بحياة خيرة أفراد الطبقة السياسية والثقافية والإعلامية اللبنانية.
ومن هنا تأتي أهمية الجهود العربية خاصة من مصر والسعودية لاقناع الفرقاء بالعودة إلى الحوار ونبذ مسألة الخروج إلى الشارع, والتخلي عن مسألة التخوين والاتهام بالعمالة لهذه الدولة أو تلك, وعلى اللبنانيين إدراك أن أحدا غيرهم لن يحل مشاكلهم, وأن عليهم العيش معا في هذه البقعة من العالم.
وبالتالي فإن روح الوفاق والعيش المشترك يجب أن تسود, وهم أيضا أكثر الناس معرفة بالنتائج الوخيمة التي سببتها عقلية الاستئثار والحصول على كل شيء, وعدم التنازل.
القوى الإقليمية والدولية مطالبة هي الأخرى بأن ترفع وصايتها عن لبنان وأن تحاول مساعدة اللبنانيين جميعا, وليس طرفا على حساب آخر لأن انفلات الأمور وانزلاقها سيضر بالجميع داخل وخارج لبنان.