الذين يعتقدون بأنه لا علاقة بين الإسلام والعقل مخطئون. وأكبر دليل على ذلك ما يقوله علماء الغرب أنفسهم. أقصد العلماء المتحررين من التعصب والهوى والتحيز المسبق. ومن بين هؤلاء المفكر الفرنسي «آلان دو ليبيرا» استاذ الفلسفة القروسطية في جامعة جنيف وصاحب الكتب العديدة عن فلاسفة العرب والمسلمين، فهذا الرجل المختص يعرف عما يتحدث عندما يقول بأن العقل ازدهر ازدهاراً كبيراً في الإسلام إبان العصور الوسطى عندما كانت المسيحية تغط في نوم عميق وظلام مطبق. وفي كتابه «الإسلام والعقل» يكتب آلان دو ليبيرا مقدمة طويلة تحت عنوان: من أجل ابن رشد.
وفيها يقول بما معناه: لقد كان ابن رشد فقيها وفيلسوفا في آن معاً. وكان منخرطاً في هموم عصره وقضاياه ككل المفكرين الكبار. وقد مارس تأثيراً لا يستهان به على رجال السلطة في عصره: أي على حكام إسبانيا الإسلامية أو ما ندعوه بالأندلس وكان يرى أن على هؤلاء الحكام ان يشاطروا العامة «أي الجماهير بحسب مصطلحنا نحن» القانون العام المشترك أو ما ندعوه بالشريعة الإسلامية. ولكن عليهم في ذات الوقت ان ينتسبوا إلى القانون الخاص للفلاسفة. وهو قانون لا تستطيع الجماهير أن تصل إليه أو تفهمه. وبالتالي فهو حكر على الخاصة من دون العامة.
ويرى ابن رشد أن هذا هو الشرط الأساسي لمحافظتهم على السلطة التي ينبغي أن تكون غايتها النهائية تحقيق حكم الحق والعدل على وجه الأرض. ولهذا السبب فإن ابن رشد، على عكس معظم فقهاء عصره، لم يكن يعتقد بان الفلسفة خارجة على الدين. بل كان يعتقد بان الشرع الديني هو الذي يأمرنا بها وبممارستها إذا ما فهمناه جيداً، وأكبر دليل على ذلك ما جاء في القرآن الكريم من آيات عديدة تحثّ على التفكر والتعقل والتدبُّر في شؤون الكون. يقول ابن رشد بالحرف الواحد في مقدمة كتابه الشهير: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال: فأما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وتطلَّب معرفتها به، فذلك بيّن في غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى، مثل قوله في الآية (2) من سورة الحشر: «فاعتبروا يا أولي الأبصار».
وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي والشرعي معاً. ومثل قوله تعالى في الآية (185) من سورة الأعراف: أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء.. وهذا نص بالحث على النظر في جميع الموجودات.. وقال تعالى: في الآية (17) من سورة الغاشية «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت». وقال تعالى في الآية (191) من سورة آل عمران: «ويتفكرون في خلق السماوات والأرض».. إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى كثرة.
بل ويصل الأمر بابن رشد إلى حد القول بأنه لولا أن القرآن أمرنا بتشغيل عقولنا وتدبر شؤون الكون لما كانت الشريعة صحيحة، ولما كانت هناك أي صحة عقلية للانتساب إلى الإسلام، وبالتالي فالإسلام والعقل صنوان لا ينفصمان، بحسب رأي ابن رشد. وأي فهم آخر للإسلام غير هذا الفهم يكون خاطئاً ومبتسراً ومشوهاً. ينتج عن ذلك أن الحركات المتطرفة السائدة حالياً أي حركات الغلوّ والإكراه في الدين، هي خارجة على الإسلام الصحيح أو على الفهم الصحيح للإسلام، فهي تغلّب النقل على العقل والتواكل على التوكل والتسليم الأعمى على المناقشة الحرة أو المناظرة المنطقية المستضيئة بنور العقل.
هذا هو جوهر الرسالة الفكرية التي أراد ابن رشد أن يوصلها إلينا، ولكن للأسف فإن العرب والمسلمين عموماً لم يستمعوا إليها ولم يأخذوا بها فتوقفوا حضارياً وتأخروا عن الركب. هذا في حين أن المسيحيين الأوروبيين تلقفوها بكل حماسة على الجهة الأخرى من التوسط، فكان أن نهضوا وتقدموا وخلَّفونا وراءهم بمسافات شاسعة، ونحن نحاول الآن أن نستدرك ما فات ونلحق بركب الحضارة، ولكن هيهات.
لماذا ظلمنا ابن رشد إلى مثل هذا الحد؟ لماذا حرقنا كتبه في حين أن الآخرين كانوا يترجمونها إلى اللاتينية، لغة أوروبا المسيحية في ذلك الزمان، لأننا قد دخلنا في عصر الظلمات الانحطاطية وأصبحنا نكره كل شيء له علاقة بالعلم والمنطق والفلسفة، أصبحنا نكرر كالببغاوات وبشكل اجتراري مقولات القدماء من دون أن نضيف أي شيء جديد، لقد ختمنا العلم واعتبرنا انه لا زائد يستزيد.
ثم يطرح أستاذ الفلسفة القروسطية في جنيف هذا السؤال: هل نعلم بأن ابن رشد كان يتقن ثلاث لغات لا لغة واحدة؟ هل نعلم بأنه كان يعرف اللاتينية والعبرية بالإضافة إلى العربية؟ هل نعلم بأنه كان منفتحاً على كل علوم الإغريق وفلسفاتهم؟ ولهذا السبب أصبح الرجل الوسيط، الرجل الذي يشكل جسراً بين العالم العربي الإسلامي وأوروبا.
لقد كان الرجل الذي نقل إلى أوروبا الجاهلة والمتعصبة مسيحياً كنوز الفلسفة الإغريقية والعربية. هذا هو ابن رشد، وهذه هي مكانته في التاريخ. بل إن معاصريه عرفوا قيمته، ولذلك دعوه في حياته بالقنطرة، أي الجسر الواصل بين ضفتين وثقافتين وشعبين.
وربما لهذا السبب دعا محمد أركون في محاضرة عصماء ألقاها أمام ممثلي الاتحاد الأوروبي في مقر اليونيسكو بباريس إلى الاعتماد على ابن رشد وإيراسموس من أجل تشكيل برنامج ثقافي عريض يصل بين أوروبا والعالم الإسلامي.
وكان ذلك قبيل ضربة «11» سبتمبر بقليل. ثم جاءت هذه الضربة لكي تزيد من أهمية هذه الدعوة ومدى ضرورتها الملحة والعاجلة. فنحن مجبرون على التعايش المشترك بين الغرب والشرق ولا نستطيع أن نترك الساحة فارغة للمتطرفين يصولون فيها ويجولون ويعيثون فساداً في الأرض.
وإيراسموس لمن لا يعرفه هو أمير عصر النهضة في أوروبا. وقد عاش بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وحاول أن يصالح بين المسيحية والعقل تماماً كما فعل ابن رشد في الجهة الإسلامية. نعم إن المستقبل هو للحوار بين الثقافات والحضارات لا للصدام المجاني والعنف والإرهاب. وهذا ما يقوله رئيس وزراء إسبانيا الشاب جوزيه لويس زاباتيرو الذي يرغب فعلاً في التواصل الأخوي مع العرب والمسلمين وفي طليعتهم المغاربة بالمعنى الواسع للكلمة، لأنهم الأقرب إليه جغرافياً وتاريخياً. وهو بذلك يريد أن يعيدنا إلى عصر الأندلس الزاهرة، عصر قرطبة وإشبيلية وطليطلة، عصر التعايش المشترك بين الديانات التوحيدية الثلاثة: اليهودية، فالمسيحية، فالإسلام.
وكل ذلك تم في ظل الحضارة العربية الإسلامية وفي قلب القرون الوسطى. فلماذا لا يتم الآن بعد أن حققنا كل هذا التقدم في ظل العصور الحديثة؟ هل ما كان ممكناً قبل ألف سنة أصبح مستحيلاً بعد ألف سنة وفي مطلع القرن الحادي والعشرين؟! ولماذا سمح الإسلام آنذاك بالتسامح الديني والتعددية والعقائدية وحق الاختلاف ولم يعد يسمح الآن؟
لماذا حصل الطلاق الكامل بين الإسلام والعقل طيلة عصور الانحطاط؟ أليس هذا دليل على مدى التقهقر والتراجع الذي حلّ بأمتنا العربية والإسلامية؟ أسئلة كثيرة يطرحها المثقف العربي على نفسه دون أن يجد لها جواباً شافياً.
كاتب سوري ــ باريس