كتب كنت كوبر، المدير التنفيذي لوكالة الأسوشيتد برس في سنة 1942 كتابا تحت عنوان «لتسقط الحواجز» شرح فيه آنذاك سيطرة فرنسا وبريطانيا على جمع وتوزيع الأخبار في العالم عبر وكالة فرنسا للصحافة ووكالة رويترز. كوبر انتقد السيطرة الأوروبية آنذاك على الإعلام الدولي وشرح كيف قسمت فرنسا وبريطانيا في القرن التاسع عشر العالم إلى مناطق نفوذ وكيف كانت تشرف على تغطيته وفق مصالحها وما تراه مناسبا لسياساتها الاستعمارية.

في بداية القرن الحادي والعشرين قناة الجزيرة تصنع الحدث وتقرر من خلال إطلاق الجزيرة انترناشيونال الناطقة باللغة الإنجليزية إسقاط الحواجز الغربية على الإعلام الدولي. بعد أن أحدثت ثورة في عالم الإعلام العربي، ها هي الجزيرة تطلق قناة فضائية باللغة الإنجليزية لمن لا صوت لهم ولا منبر لهم، قناة للجنوب الذي عانى خلال العقود والقرون الماضية من سيطرة الشمال على جمع وتوزيع الأخبار والمعلومات عبر العالم. فسيل الأخبار وتدفقها يسير في اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب، وما تراه وكالات الأنباء العالمية وحارس البوابة في الغرب أنه خبر يصل إلى العالم بأسره وما تقصيه وتتجاهله فإنه يُسكت عليه وينتهي إلى ذاكرة النسيان والتهميش والإقصاء. وما يراه الغرب أخبارا ومهما ويتصدر الأحداث يُبث ويُسمع ويُنشر في الزوايا الأربع من العالم وبعيون غربية ووفق المعايير والمقاييس التي تحددها الوكالات العالمية للأنباء، أما الذي تحذفه فيلغى نهائيا من ذاكرة البشرية جمعاء.

يبدو أن المسؤولين عن قناة الجزيرة قرروا مرة أخرى أن يصنعوا التاريخ ويكسروا الحواجز ويغيروا المعايير والقيم ويقدموا البديل لإحداث ثورة جذرية في الآليات والميكانيزمات التي حكمت وما زالت تحكم الإعلام الدولي وهي سيطرة الشمال على الجنوب أو ما سمي في أدبيات الإعلام بالاتصال في اتجاه واحد، أي من الشمال إلى الجنوب، إعلام بعيون غربية وبعيون ورؤية أربع وكالات عالمية للأنباء ـ وكالة فرنسا للصحافة ووكالة رويتز والأسوشيتد برس واليونايتد برس إنترناشيونال- تسيطر على أكثر من 80% من أخبار العالم. فالعالم اليوم وحتى اللحظة يقرأ ويشاهد ويستمع لما يحدث ويدور في العالم بعيون ورؤية وتحليل وأيديولوجية غربية. فما يقرره الإعلام الغربي كأخبار وأحداث وقيم خبرية هو الذي يُنشر وتتناوله غالبية المؤسسات الإعلامية في العالم قاطبة من أدغال افريقيا إلى الأمازون إلى هايتي وجزر المالديف ونيوزيلاندا وفيجي وكاليدونيا الجديدة.

فالرأي العام العالمي تصنعه وتفبركه حفنة من المؤسسات الغربية التي تهيمن وتسيطر على الأخبار عبر العالم، وأكثر من هذا نلاحظ كذلك سيطرة الغرب على الصناعات الثقافية العالمية فالمنتج الثقافي سواء تمثل في الكتاب أو الفيلم أو الموسيقى أو الإعلان أو غير ذلك يبقى صناعة غربية أنجلوساكسونية. وهذه الهيمنة ما زالت تنتشر وتفرض نفسها على العالم الذي تحول إلى قرية عالمية صغيرة تسيطر عليها حفنة من مؤسسات المركب الصناعي العسكري الاتصالي. وحتى الدول الأوروبية نفسها اشتكت من الهيمنة الأنجلوساكسونية وسيطرة أميركا على المخرجات الإعلامية والثقافية عبر العالم.

فقبل عشر سنوات انطلقت قناة الجزيرة برؤية واستراتيجية وفلسفة جديدة تختلف تماما عما تعودت عليه المؤسسات الإعلامية العربية وخاصة الحكومية منها. ففي خلال عقد من الزمن حققت الجزيرة إنجازات كبيرة في سجل الإعلام العربي وخاصة تغطيتها للحروب والأزمات التي هزت العالم في أفغانستان والعراق والصومال والسودان والشيشان...الخ. وها هي اليوم تنطلق لتقديم إعلام آخر بديل وإعلام لم يكن أساسا موجودا في الجنوب، إعلام بلغة أجنبية ولكن بعقل ومنطق عربيين وبعيون عربية تقدم الأحداث والوقائع وفق إطار مرجعي له جذوره وأصوله في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.

فهكذا تكون الجزيرة الإنجليزية أول قناة إخبارية من العالم النامي تدخل ميدان المنافسة العالمية مع قنوات ك«سي.إن.ان» و«بي.بي.سي» و«فوكس نيوز» و«سكاي نيوز» وغيرها. ستكون الجزيرة الرؤية البديلة والتحليل البديل والكاميرا التي قد تنظر من زاوية مختلفة للأحداث والأزمات والمشكلات التي تعاني منها البشرية. وبهذا ستقدم الجزيرة البديل وستقدم مادة إخبارية قد تختلف في صيغتها وقيمها ومعالجتها عما تقدمه المؤسسات الإعلامية الغربية التي تسيطر على جمع وتوزيع الأخبار على الصعيد الدولي.

القناة تملك 60 مكتبا في العالم تنسق فيما بينها أربعة مكاتب إقليمية في الدوحة- المقر الرئيسي- لندن، واشنطن وكوالالامبور. كما يعمل بالجزيرة انترناشيونال نحو 800 موظف من 55 جنسية وقد تتعدى ميزانيتها 100 مليون دولار. فالبديل والمنافسة والجودة والتميز على الصعيد الدولي بحاجة إلى الخبرة والتجربة والإدارة الرشيدة والكادر البشري المؤهل إضافة إلى الإمكانيات المادية. القناة تستهدف الوصول إلى 80 مليون بيت في العالم عبر الكبل والصحون اللاقطة. وستخاطب الجزيرة الغرب بلغة الغرب وبأسلوب الغرب وتقنيات وميكانيزمات جمع وتوزيع الأخبار الغربية لكن برؤية عربية وبمنطق عربي وبإطار مرجعي عربي وبمقاربة تختلف عن المقاربة الغربية.

ستكون الجزيرة انترناشيونال بدون شك مختلفة عن سي.ان.ان وفوكس نيوز وغيرها من القنوات التي تصل إلى مئات الملايين من البشر في العالم. الجزيرة انترناشيونال تكون خطوة نحو «دمقرطة» الإعلام الدولي الذي يحتاج إلى التنوع والرأي والرأي الآخر.

الطريق أمام الجزيرة انترناشيونال محفوف بالتحديات حيث ضرورة التحلي بالحرفية والمهنية والإدارة الإعلامية الرشيدة.

فبالحرفية والمهنية وإبراز الوجه الآخر للحقيقة تستطيع الجزيرة انترناشيونال تقديم البديل خاصة للرأي العام الغربي والعالمي الذي ما زال يعاني من الرؤية الأنجلوساكسونية لما يدور في العالم، رؤية واحدة لا بديل لها.

فعبر عقود من الزمن كثر البكاء على الأطلال وكثرت الانتقادات للنظام الإعلامي الدولي وكثرت الانتقادات للهيمنة والسيطرة الغربية على الصناعات الإعلامية والثقافية بدون تقديم البديل أو الدخول في معترك المنافسة على كسب الرأي العام وإيصال الرأي الآخر أو الرؤية الأخرى والبديل للآخر وها هي الجزيرة انترناشيونال تأتي لتقوم بهذه المهمة الاستراتيجية لتكسر الحواجز وتسقط الأقنعة وتتحدى الهيمنة وتدخل حلبة المنافسة بمنطق الآخر، لغته ومهنيته وحرفيته لكن الاختلاف هو تقديم الوجه الآخر من العملة والنظرة البديلة التي حجبت عن القارئ والمشاهد والمستمع في العالم لعقود من الزمن بل لقرون. ستقدم الجزيرة إنترناشيونال البديل وتعطي الفرصة للرأي العام الغربي والعالمي ليطلع على رؤية الجنوب، رؤية قد تكون مختلفة ومغايرة لكنها من دون شك ستعطي الفرصة للتنوع والتعددية والاختلاف.

استاذ الإعلام جامعة الشارقة