عندما دخلت القوات الأميركية إلى بغداد وانتشرت في ساحاتها وشوارعها الرئيسية دون مقاومة تذكر، كانت الإدارة الأميركية في نشوة عارمة من نصر بهذا الحجم بثمن زهيد إلى هذا الحد، فقد ساور صناع القرار الأميركي شعور أشبه باليقين بأن الولايات المتحدة قد حققت دون عناء يذكر نقلة نوعية على صعيد استراتيجيتها الكونية.
حيث بدت لهذه الإدارة صبيحة الاحتلال جملة من التداعيات، التي أخذت تلوح في الأفق القريب مؤذنة بظهور معطيات ينبغي التسليم بها على الصعيد الإقليمي والدولي والتي كلها نظريا تصب في قناة المصلحة الأميركية فاحتلال العراق كان بمثابة فرض قانون أميركي جديد ينبغي على النظام الدولي الاعتراف به كأحد قواعد القانون الدولي الذي يتمتع بالشرعية في ظل القوة الأميركية أسوة بالإمبراطورية الرومانية التي كانت تحكم العالم حسب قانونين، هما القانون الروماني وقانون الشعوب اللذان لا تعلو عليهما شرعة أخرى لأنهما يستمدان شرعيتهما من سيوف فيالق الإمبراطورية.
كان احتلال العراق بمثابة عودة بالعالم إلى ما قبل مؤتمر برلين في القرن التاسع عشر، الذي نظم قواعد الغزو والاستيلاء بين قوى الغرب التي استباحت آنذاك ارض ودماء وأعراض بشر القارات الأخرى، فقرار غزو بلد كالعراق دون أية حجة مهما كانت واهية من تلك التي يقرها النظام الدولي، الذي أرساه الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان يعني تطبيقا لشرعية جديدة تم فرضها صراحة ودون مواربة على العالم فبدت صبيحة الاحتلال واقعا يجسد حقا تتمتع به الولايات المتحدة دون غيرها فأصبح مفهوما منذ تلك اللحظة بأن الولايات المتحدة قد شرعت لنفسها حق غزو واحتلال أي بلد تقتضي مصالحها احتلاله، وان العالم بدأ يقبل على مضض بهذه الحقيقة فاستجاب لطلبها باستصدار قرار يعتبر الولايات المتحدة قوة احتلال لها حقوق وعليها واجبات ولم يكن هناك أي معنى لذكر الواجبات طالما أن المنظمة لا تستطيع ترتيب أية نتائج على عدم الوفاء بها، فهي عجزت عن اتخاذ أي إجراءات ضد واقعة الاحتلال نفسها.
هكذا بدا احتلال العراق على الصعيد الدولي كتجسيد لقاعدة دولية جديدة مقدرة على مقاس المصالح الأميركية تمنحها حقا لا يتمتع به غيرها، بينما بدت الرقعة الجغرافية السياسية للعراق بمثابة خامة لمشروع سياسي تستطيع الولايات المتحدة تشكيله حسبما تقتضيه استراتيجيتها في الشرق الأوسط، فبإمكانها أن تبقي على العراق كإقليم واحد مثلما كان قبل الغزو وذلك لسببين أولهما هو انه ليس ثمة خشية من الإبقاء على العراق موحدا طالما ان إمكانياته وقدراته تحت السيطرة الأميركية إلى جانب آلية سياسية تعيد إنتاج نظام موال مدين بوجوده واستمراريته للأفضال الأميركية، فكل ذلك في نظر الولايات المتحدة يجعل من العراق الموحد أداة أكثر فاعلية في الاستراتيجية الأميركية الشرق أوسطية، ومثالا أكثر جاذبية لشعوب المنطقة ولاسيما الدول التي كانت مرشحة كمشاريع غزو محتملة.
أما السبب الثاني فيكمن في تمني كثير من الأنظمة العربية التي تعتبر نفسها حليفة للولايات المتحدة، في أن تبقي هذه الأخيرة على العراق كما وجدته، لأنه ليس من مصلحة هذه الأنظمة إحداث أية خلخلة في الوضع الجيوسياسي العراقي فذلك يفتح أبوابا يصعب إقفالها في الوقت الذي تهب منها عواصف تزلزل كل ما تحت أقدامهم من ارض وبشر، ورغم ان رغبات وتمنيات هؤلاء ليست لها أي اعتبار لدى صانع القرار الأميركي لأنهم في نظره ليسوا شركاء ولا ترقى علاقتهم به إلى درجة حليف، بل أقل من التابع بكثير، إلا أن خبرتهم بواقع المنطقة يجعل لآرائهم بعض الفائدة عند اتخاذ القرار، غير أن الإبقاء على العراق موحدا لم يكن هو الخيار الوحيد الذي كان متاحا أمام الإدارة الأميركية صبيحة الاستيلاء على العراق، فقد كان بيدها ولو نظريا كل مفاتيح التقسيم العرقي والطائفي حيث سبق أن أقامت مع حلفائها الغربيين ما سمي بالمنطقة الآمنة في شمال العراق ليصبح إقليم كردستان عمليا مفصولا عن بقية أجزاء العراق وليكون في ما بعد ورقة ضغط عرقية في مواجهة العراقيين من العرب في حالة عدم استجابة هؤلاء لإغراءات التحريض الطائفي والمذهبي.
كانت ورقة التقسيم العرقي جاهزة بعد أن تولتها آلة الدعاية السياسية والإعلامية للغرب طوال عشرات السنين واستنزفت كثيرا من دماء العرب والأكراد، فلم تكن تحتاج إلى مزيد من الجهود من قبل الولايات المتحدة لإخراجها إلى حيز الوجود، بل يكفي أن لا تعلن معارضتها رسميا للمشروع لكي تظهر دولة كردية في شمال العراق لا تحتاج لشيء سوى الاعتراف الأميركي واعتراف تركيا إذا كان ذلك ممكنا.
لم يكن هذا الخيار هو المفضل صبيحة الاحتلال، فقد كان في السابق ورقة من الأوراق التي يجري التلويح بها لإضعاف النظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية وإبان الحصار، أما وقد أصبح العراق بكامله داخل القبضة الأميركية فليس من الحكمة التعجل نحو أي خيار ولاسيما تلك التي كانت وستظل جاهزة ومتاحة في كل وقت، بل يجب الالتفات نحو خيارات أخرى ليست بعد بديهية وواضحة كالخيار العرقي ولكنها كامنة ويمكن تعهدها وتهيئة كل الظروف لها وفتح المسارات أمامها لكي تتميز وتظهر كخيار مكتمل الشروط يطرح نفسه على الساحة العراقية، فلم يكن ينظر في السابق إلى الطائفية في العراق على أساس أنها مشروع للتقسيم، لأنه لا أحد من الطرفين يحتكر وحده العروبة أو العراقية وهما أساس قيام الدولة العراقية مثلها مثل أية دولة عربية أخرى خرجت من رحم اتفاقيات سايكس بيكو.
لقد كان إذكاء الشعور الطائفي ـ كما سنرى ـ بالنسبة للولايات المتحدة بمثابة ورقة أخرى تضيفها إلى المتغيرات التي تقبض عليها في العراق بقصد توظيفها التوظيف الأمثل الذي لا يتعدى مصالحها ولا يخرج عن سيطرتها، ولكن تلك كانت إحدى القراءات الخاطئة التي قادت السياسة الأميركية إلى المأزق العراقي.
كاتب ليبي
جامعة بنغازي