أياً تكون الجهة التي دبرت عملية اغتيال وزير لبناني على خلفية تنامي التواصل السياسي الجاري بين واشنطن ودمشق فإنها أرادت إجهاض هذا التواصل عن طريق إحياء الشكوك الأميركية تجاه النوايا السورية بشأن لبنان.

وعلى أساس هذا الافتراض فان هذه الجهة لا يمكن إلا أن تكون إسرائيل.

في واشنطن وقع انقسام بين مؤيدي ومعارضي انفتاح أميركي على سوريا وإيران يمكن أن يستثمر في مساعدة الولايات المتحدة للخروج من الورطة العراقية بشرف وحد أدنى من الضرر الاستراتيجي وبينما يرى المؤيدون أن دمشق وطهران هما القوتان الإقليميتان الوحيدتان القادرتان على ممارسة نفوذ شامل في مسرح الصراع الدموي العراقي فان المعارضين يرون إثماً وخيانة أميركية لإسرائيل في مد جسور بين واشنطن ودولتين تعتبران الأشد خطرا لا على أمن الدولة اليهودية فحسب بل أيضاً على بقائها.

فكرة الانفتاح على سوريا وإيران ابتدرها جيمس بيكر القطب «الجمهوري» الذي يحظى باحترام ليس في حزبه فحسب بل أيضاً بين قيادات الحزب «الديمقراطي». وحتى قبل أن يصدر أمر تعيينه رسمياً للجنة «دراسة العراق» التي يتكون أعضاؤها من الحزبين فان بيكر لقي موافقة فورية من الرئيس بوش بالمضي قدما في إجراء اتصالات أولية مع دمشق أولاً ثم طهران لاحقاً.

على الفور توجس قادة إسرائيل شراً. وبينما بدأت مجموعة «المحافظين الجدد» غلاة التحالف الاستراتيجي الأميركي مع إسرائيل والوكلاء المعتمدين للحركة الصهيونية الأميركية على الصعيد السلطوي الراهن تحركا مضادا بهدف إحباط مهمة بيكر تحرك أيضا رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت فسافر على عجل الأسبوع الماضي إلى واشنطن لمقابلة الرئيس بوش والتعبير عن القلق الإسرائيلي.

ويبدو أن القلق الإسرائيلي بلغ ذروته عندما وصل بيكر فجأة إلى دمشق ودخل في مساومات سياسية مع الرئيس بشار الأسد. ويبدو كذلك أن إسرائيل قررت أن تنصرف بصورة حاسمة خاصة بعد أن أسفر اللقاء الأميركي السوري عن قيام وزير الخارجية السوري وليد المعلم بزيارة إلى بغداد هي الأولى من نوعها منذ مطلع ثمانينات القرن المنصرم.

بعد بضعة أيام من زيارة بيكر لدمشق ويومين فقط بعد وصول المعلم إلى بغداد (حيث أعلن عودة العلاقات الدبلوماسية بين سوريا والعراق) وقعت حادثة اغتيال الوزير اللبناني بيار الجميل.

انه توقيت ذو مغزى. فعلى خلفية العداء المستحكم والمتنامي لحكومة «الأكثرية» اللبنانية تجاه النظام السوري الحاكم فان من السهل توجيه أصبع اتهام إلى دمشق.

الافتراض المنطقي هو إذن ان الجهة المدبرة لحادثة الاغتيال لن تكون سوى جهاز الموساد الإسرائيلي الذي يملك شبكة استخبارية رهيبة في لبنان يحسب عمرها بعقود.

من خلال الحادثة أرادت إسرائيل الإساءة إلى صورة سوريا في واشنطن والتذكير بأنها القوة الإقليمية التي تتعقب الشخصيات اللبنانية الموالية للولايات المتحدة، وكأنما أرادت إسرائيل من خلال هذا التذكير إحراج الرئيس بوش من ناحية وتعزيز موقف المحافظين الجدد من ناحية ثانية. وبالتالي نسف مهمة جيمس بيكر من ناحية ثالثة.

الكرة الآن في ملعب بوش وبيكر.