نهر الدم العراقي المتدفق بلغ منسوبه مستويات مروعة. أكوام الجثث التي يعثر عليها ويتم جمعها ـ عدا المنسية ـ ضربت الرقم القياسي. فأمس فقط سقط نحو 144 قتيلاً و236 جريحاً في تفجيرات دموية شهدتها مدينة الصدر ببغداد.
النزف المتواصل جعل من هذا البلد مكاناً أشبه بالمسلخ البشري؛ حيث يذبح الناس ويقتلون كالنعاج. والمؤلم أكثر أن المجزرة تتواصل عبثيتها ويتصاعد جنونها، وسط أجواء من عدم الاكتراث. وكأن الأمر بات من المسلمات أو من اليوميات الروتينية المقبولة. تمرّ الأرقام على الشاشة وفي عناوين الصحف وكأنها صارت من الأمور الاعتيادية التي ألِفتها العين والأذن. مع ذلك فإن الرقم الأخير الذي احتواه تقرير للأمم المتحدة، حظي بالأضواء واستدعى التوقف عنده.
فقد ذكر أن عدد الضحايا الذين سقطوا من المدنيين العراقيين، خلال شهر أكتوبر الماضي، قد بلغ 3709رقم قياسي للقتل العشوائي، في البلد المنكوب بالعنف الأعمى، وبالاحتلال الجائر. كذلك يسلّط التقرير الأضواء على جوانب أخرى لا تقل مأساوية عن اللوحة. بل هي تزيد من سوداويتها. أخطرها أن حوالي «مئة ألف» عراقي نزحوا من أماكنهم، في الشهر ذاته في إطار عملية التهجير؛ التي ذكر أحد التقارير أن حجمها تجاوز المليون نسمة!
وأضاف: إنه قد جرى «تقسيم بعض أحياء العاصمة بغداد» على أساس طائفي، مثير للقلق؛ مع التنويه بأن حصة العاصمة وحدها تجاوزت خمسة آلاف؛ في وقت بات «يتعذر فيه على رجال الشرطة توفير الحماية للسكان! ترجمة ذلك أن الوضع الأمني بات تحت رحمة الانفلات والقوى المتنوعة المتحكمة بالساحة، من الداخل والخارج».
ويجري ذلك في لحظة يسودها التخبط والارتباك وتتوالى خلالها الإشارات بأن الملف العراقي مقبل على تطورات نوعية. وفي هذا الصدد تسلط الأضواء على استحقاقين قريبين: قمة الرئيس بوش ورئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، يوم الأربعاء المقبل، في العاصمة الأردنية عمان. الاستحقاق الثاني تقرير بيكر المتوقع الكشف عن توصياته مطلع الشهر المقبل.
وفي هذا السياق يتردد بأن الإدارة الأميركية باتت مستعجلة لخطوات تخفف خسائرها، التي تكاد تطيح بكل رصيد الرئيس بوش، والخوف هنا أن يحصل نوع من نفض اليد، أمنياً، عن البلد؛ في ظل هذه الظروف. أو أن تحصل ضغوط مربكة للوضع العراقي الداخلي، كأن تحمله على اتخاذ تدابير تزيد من تعقيد أموره أو من انكشافه.
وتقول المصادر الأميركية: إن قمة عمان تأتي عشية إقدام الإدارة على اتخاذ «قرارات حاسمة المرجّح، إذا لم يكن المؤكد، أن واشنطن سائرة باتجاه إحداث تغيير في تعاطيها مع ورطتها في العراق. استقالة ـ أم إقالة؟ ـ الوزير رامسفيلد مؤشر وازن على ذلك. كذلك نتائج انتخابات الكونغرس الأخيرة زادت من الضغوط على الرئيس؛ في هذا الاتجاه».
طبعاً مثل هذا التغير محكوم بحسابات أميركية، أولاً وأخيراً. وما يتعدى ذلك من كلام وحرص على العراق، يبقى في إطار الاستهلاك. وعليه فإن عراقاً بالصورة التي قدمها تقرير الأمم المتحدة لا يقوى على مواجهة مثل هذه المستجدات المقبلة، والمرجح أن تكون مفخخة، لكن الكرة قريباً ستكون في ملعب العراقيين الذين عليهم الاختيار بين الاستعداد لاستيعاب هذا التغيير الآتي، وبين الوقوع في شرك الانفجار الكبير.