لبنان المحتقن بسياساته الداخلية، صار ميداناً للاغتيالات، وهي طبيعة أي نظام تمثل فيه الطائفة قمة الوطنية، ولعل من ذهبوا لبارئهم بسبب الاستهداف المباشر من قبل قوى غامضة ثم كان من يتهم الآخر سوف يستمر المسار، لأن رقاباً عديدة موضوعة على لائحة التصفية بسبب مواقفها.
موضوع المحكمة الدولية باغتيال الحريري منطقية من حيث حجم الجريمة، وكذلك من وقعوا صرعى لأسباب متماثلة، لكن لو نظرنا لمجمل الوضع العربي، فإن محاكم وقضاة العالم كله غير قادرين على ملاحقة جرائم القتل على الهوية، واغتيالات السياسيين، والمثقفين، لأن البيئة العربية التي ينتشر فيها إهدار حق الآخر بالقوة تكبر فيها ساحات الجريمة بمصنفاتها السياسية، والدينية، والقبلية، فكل ينصب مشانقه، لأن جوهر المشكلة أننا خارج إطار الحضارات التي تجعل قيمة الإنسان فوق كل شيء.
من الصعب تطبيق القانون، والشرائع في زمن الفوضى العربية، فإذا كانت المحاكمات يجب أن تطال أصحاب الجرائم المنظمة، فمن لديه القدرة على ملاحقة الآخرين الذين هتكوا حرمات مقدساتهم وأوطانهم، ومن يحقق العدالة لأمة ضاعت هيبتها بسبب جور بعض الحكام، او قادة المليشيات وسادة تشريع القتل بادعاء تكفير الشعوب والأمم، أو من يساعد مادياً أو يفتي دينياً بتحليل القتل؟..
قبل الشهيد الحريري ذهب في لبنان قادة وصحفيون، وعلماء دين وعلم، وحتى يتم قفل الجريمة التي أدت إلى الحرب الأهلية أغلق ملفها حتى لا تكون سبباً في إشعال حريق آخر، وقد تفاءل الكل بعودة اللبنانيين الى وطنهم، لكنها هدنة مؤقتة لما يليها، لأن الاحتكام الى الشارع بتسيير المظاهرات من اجل حزب أو طائفة، أياً كان انتماؤها، هو احتكام للفوضى، ولعل الذين عجزوا عن تجاوز خلافاتهم بالانتقال من تحالف لآخر للوصول إلى كرسي في الحكومة، هم من يدفعون القتلة للتصفيات المباشرة لأن البيضة اللبنانية لا تحتمل فرخين تحت قشرتها.
واذا كان اللجوء للمحاكم الدولية صفة خاصة للعرب، فمن سيحاكم ما جرى في الجزائر والسودان، والعراق، ومن سيلاحق الانقلابيين، واصحاب الوجبات التي تشكلت محاكمها في الشارع، ومن لديه التفويض لفتح ملفات كل الجرائم السابقة واللاحقة في وطن تموت فيه الحقائق، إلا حقيقة القتل العمد مع سبق الإصرار والتعمّد؟.
الحالة العربية أغرب من كل ما يطرحه العقل، ويقبل به المنطق، وربما الحالة المقبولة أن تعلن الوصاية الدولية على بعض البلدان حتى تصل لمرحلة التأهيل في السلطة والوطنية، والنموذج اللبناني الصورة الحقيقية لكل الانعكاسات السلبية، وإلا كيف نرى بلداً زاخراً بالمثقفين والواعين والكفاءة النادرة في صناعة السياحة، والأداء الاقتصادي، والانتشار في العالم من خلال كفاءات في الإدارة والعلوم، أن يفقد عقله ليدخل عالم المجهول بحروب اهلية بدأت منذ القرن التاسع عشر، وحتى القرن الواحد والعشرين، لولا أن خللاً لا تستطيع المحاكم الدولية، ولا قرارات مجلس الأمن وغيرها ردم هذه الهوة؟.