أصبحت جميع المؤشرات واضحة في الساحة الدولية التي تؤكد أن السياسة الأميركية ستشهد تغيراً براغماتياً أو ما يمكن تسميته ب«سياسة براغماتية جديدة» تجاه منطقة الشرق الأوسط كبديل لمشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي طرح في واشنطن وسقط في العراق وفلسطين.
وهذا التغير لا يعزى لأسباب أيديولوجية خاصة وأن الإدارة الأميركية ما زالت تسيطر عليها قيادات سياسية يمينية متطرفة، كما أنه ليس لأن الليبراليين الديمقراطيين فازوا بشكل كاسح في الانتخابات التشريعية الأميركية الأخيرة وحققوا أغلبية في مجلسي الكونجرس وفي انتخابات حكام الولايات الأميركية.
وإن كان هذا الفوز سيكون له أثر واضح على مستقبل السياسة الخارجية لواشنطن وخاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط حيث إن المسألة العراقية كانت ورقة هامة استثمرها الديمقراطيون لتحقيق النصر في الانتخابات الأخيرةو وسيستثمر لاحقاً في الانتخابات الرئاسية بعد عامين من الآن إذا لم تتغير الأوضاع في العراق، إنها مجموعة أسباب تراكمت وتجمعت لتحدث تغييراً متوقعاً في السياسة الخارجية الأميركية.
بداية بدأت الحرب على الإرهاب عبر احتلال أفغانستان وإسقاط نظام طالبان، ولكن القوات الأميركية وقوات حلف الناتو فشلت في إلقاء القبض على أسامة بن لادن المتهم الرئيسي بهجمات 11 سبتمبر عام 2001، كما فشلت الاستراتيجية الأميركية في وقف الهجمات الإرهابية ضد أهداف ومصالح غربية وغير غربية في مناطق مختلفة من العالم.
وبعد مرور خمس سنوات تشهد أفغانستان مقاومة شرسة من قبل طالبان والجماعات التابعة للقاعدة ضد جميع القوات الأجنبية، مما يعني ضرورة إعادة تقييم السياسات العسكرية والأمنية الغربية والأميركية للحرب ضد الإرهاب.
والتصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير بضرورة معالجة أسباب وجذور الإرهاب ليست إلا دليلاً واضحاً على إدراك العديد من الحكومات الغربية بفشل هذه السياسات القائمة، ثم جاء الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 واعتقدت الإدارة الأميركية أن غزوها العسكري للعراق سيساعدها في إعادة رسم الخارطة السياسة للشرق الأوسط طبقاً للمواصفات والمعايير الأميركية والإسرائيلية وأنها ستفرض سياساتها على دول المنطقة لاسيما تلك التي لم تقف معها في غزوها للعراق.
وبدأت رئيسة الدبلوماسية الأميركية السيدة رايس بإطلاق العديد من الأفكار والمشاريع السياسية المختلفة ك«الشرق الأوسط الكبير» و«الشرق الأوسط الجديد»، وأفكار عن نشر الديمقراطيات والحريات والإطاحة بالديكتاتوريات والحديث عن سلام ودولة فلسطينية طبقاً لخارطة الطريق.
ولم تتحقق الأهداف الأميركية سواء في العراق أو في المنطقة بأسرها وفشلت السياسة الأميركية فشلاً كارثياً في العراق حيث سادت الفوضى العارمة بدل الأمن وقتل عشرات الآلاف من العراقيين المدنيين وأكثر من ثلاثة آلاف من الجنود الأميركيين وفشلت جميع مشاريع التنمية وإعادة الإعمار ونمت الطائفية والمذهبية إلى حد التهديد بتقسيم العراق طبقاً لهذه المعايير.
وشكل الوضع في العراق عارأً وعبئاً على السياسة الأميركية والقيم التي تنادي بها إدارة الرئيس بوش بعد أن تكشفت الحقائق حول أساليب التعذيب والقتل التي يعاني منها المدنيون العراقيون على أيدي القوات الأميركية وباقي قوات التحالف، لذلك لم يكن مستغرباً أن يكون الملف العراقي هو الفيصل في تحديد نتائج الانتخابات التشريعية الأميركية التي فاز بها الديمقراطيون الذين رفضوا هذه الحرب منذ البداية، وأدلى الشعب الأميركي بكلمته عبر التصويت بأنه ضد هذه الحرب الفاشية في العراق الذي لم يرتكب شعبه أي جرم بحق الشعب الأميركي.
أما الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل ونجاح المقاومة اللبنانية في الصمود ضد القوة العسكرية الإسرائيلية الجبارة ونجاحها في منع إسرائيل من تحجيم دورها الأساسي في لبنان والمنطقة وفي دفعها باتجاه عملية نزع السلاح، فقد غيرت المعادلة الاستراتيجية في المنطقة، لقد حولت هذه الحرب المنطقة من حالة اللا سلم إلى الحرب المحدودة وكادت تهدد بحرب إقليمية واسعة لا أحد يستطيع التنبؤ بتداعياتها على المنطقة وعلى المصالح الأميركية والأوروبية فيها.
الأمر الذي أدى من الناحية السياسية إلى إدراك دول أوروبية عديدة بالمخاطر التي تقف عليها منطقة الشرق الأوسط. وكان هذا التطور الكبير سبباً قوياً دفع دولاً أوروبية كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا إلى إرسال قواتها إلى لبنان، بهدف ملء الفراغ الأميركي في الشرق الأوسط أولاً، والانخراط العسكري والسياسي للمساهمة في عدم تكرار هذه الحرب ثانياً.
في الوقت ذاته حركت هذه الحرب دولاً أوروبية تنادي بضرورة البحث الجدي عن تسوية شاملة في الشرق الأوسط، وطالب عدداً من هذه الدول بدفع النخبة الإسرائيلية الحاكمة للوصول إلى استنتاج مفاده أنه لم يعد ممكناً فرض الهيمنة الإسرائيلية على الدول العربية بالإخضاع العسكري، وأنه لا بد من البحث عن حل سلمي عن حرب جديدة لمحو آثار الهزيمة في لبنان.
أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي فكان الفوز الساحق لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية قبل حوالي عشرة أشهر زلزالاً سياسياً جاء نتيجة عملية ديمقراطية نزيهة أيدتها واشنطن في الوقت الذي رفضت نتيجتها.
وكان الرد الأميركي على هذه الانتخابات بفرض حصار خانق على الشعب الفلسطيني من قبل المجتمع الدولي للضغط على قادة حماس بالرضوخ للشروط الإسرائيلية ـ الأميركية أو لإفشالها وإسقاط حكومتها التي تم تشكيلها بعد الانتخابات، وثبت بعد الحصار الخانق على الشعب الفلسطيني أن حماس ليست معنية بقضية الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل، وأنها مستعدة لتقديم تنازلات سياسية داخلية.
وليست أيديولوجية، لحركة فتح تتعلق بالحكم من أجل رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وتحصين الجبهة الوطنية من خطر حرب أهلية مع الاحتفاظ بأغلبية نيابية في المجلس التشريعي تمنع تقديم أي تنازلات سياسية أو استراتيجية لإسرائيل من قبل بعض الأطراف الفلسطينية.
لا شك في أن صناع القرار السياسي والاستراتيجي في الغرب عامة وواشنطن خاصة، كانوا يراقبون التحولات والتطورات في المنطقة، وكانت بريطانيا بين مقدمة الدول التي أجرت مراجعة لسياستها شرق الأوسطية، وتوصلت إضافة لدول أوروبية أخرى إلى قناعة مفادها أن الاستمرار في السياسة الحالية ستضر بالمصالح الغربية في المنطقة.
كما أنها ستضر بالدول الحليفة لهم. وأن بعض الدول الحليفة في منطقة الشرق الأوسط ثبت عجزها في تقديم المساعدة العملية لمنع التدهور في العراق أو في إقناع حماس بتغيير مواقفها السياسية أو المساهمة في تغيير الوضع الراهن في لبنان لصالح الأطراف الحاكمة.
لذلك فإنه من المرجح أن نشهد في الأيام القادمة القريبة تحولاً كبيراً في السياسة الأميركية والغربية تجاه بعض دول المنطقة التي ثبت بأنها قادرة فعلياً وبشكل عملي على لعب دور إقليمي كبير يساعد في تغيير الوضع الراهن في العراق ولبنان وفلسطين.
وهذا انعكس في العديد من الخطابات والرسائل السياسية الأوروبية والأميركية حول أهمية الدور السوري والإيراني في المنطقة، وان الخروج من المأزق الحالي في منطقة الشرق الأوسط وترسيخ الأمن والاستقرار فيها لن يتم إلا بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وباقي الأراضي العربية المحتلة وبعدم التدخل العسكري في شؤون دول المنطقة واتباع سياسة الاحتواء الإيجابي بدلاً من العزل والإقصاء.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com