اغتيال وزير الصناعة اللبناني لا يعني فقط مجرد استئناف لمسلسل التصفيات الدموية في هذا البلد النازف والمهدد، إنه يأتي ـ على ما يبدو ـ ليؤكد على المدلولات والأبعاد الخطيرة لهذا المسلسل الذي كان قد بدأ قبل سنتين ونيف.
وبذلك فهو يتجاوز حجمه وشخص المغدور، على أهمية هذا الأخير، ليشير إلى أن لبنان لامست أوضاعه المضطربة خط الخطر الأحمر. وربما تكون قد اجتازت هذا الخط، لتضع هذا لبلد في دائرة الاغتيال.
الحادثة تحمل عناوين عدة نافرة، في هذا الخصوص، هي تريد أن تقول بأن اليد الدموية المتجولة في مطاردة ضحاياها ـ منذ أكتوبر 2004 ـ قادرة على الوصول إلى أي كان وأينما كان في لبنان، كما تريد أن تقول بأنها عازمة على عدم السماح للبنان كي يستعيد توازنه وبالتالي استقراره.
ومن عناوينها أيضاً أنها ليست صدفة ولا هي ردة فعل أو مجرد عمل انتقامي، بل إنها جاءت في سياق حملة استنزاف تستهدف البلد في الصميم، وليس صدفة أن يتزامن هذا الاغتيال مع حلول عيد الاستقلال. وكأنه بذلك جاء ليؤشر إلى أن هذا الأخير (الاستقلال) هو المستهدف في نهاية المطاف بالاغتيال.
وفي الوقت ذاته، ينطوي توقيته على رسالة أخرى، مفادها بأنه ممنوع على اللبنانيين أن يعاودوا الحوار والتشاور، ناهيك عن الوصول إلى تفاهم ولد بالحد الأدنى؛ للخروج من الأزمة السياسية التي ما انفكت تطحن هذا البلد منذ فترة.
وتمعن في إنهاكه ودفعه إلى الهاوية وعلى خلفية هذا التراكم والاحتقان، يأتي الاغتيال كمحاولة لزيادة الطين بلة وللإطاحة بمحاولات التهدئة ومساعي ربع الساعة الأخير التي كانت قد نشطت في الأيام الأخيرة للحيلولة دون نزول الأطراف إلى الشارع والشارع المقابل.
وفي هذا الخصوص لابد من التنويه بعملية ضبط النفس التي سادت، والمناشدات التي ارتفعت والتي دعت إلى الابتعاد عن الانفعال وبالتالي عن الانجرار إلى الفخ المنصوب.
فمثل هذا التوجه في التعامل مع هذه اللحظة العصيبة التي يمر بها لبنان مطلوب تعزيزه ودعمه ومواصلة التشجيع على عدم التخلي عنه. تفشيل الاغتيال من تحقيق أهدافه يقتضي التسلح بهذا المنهج. ولا يقل عنه أهمية التضامن والدعم والوقوف مع لبنان لتمكينه من الصمود والتشبث بوحدته الوطنية.
فالتحديات والصعوبات التي يواجهها، هذه الأيام، تفوق قدراته على الاحتمال خاصة وأنه يتصدى لها في ظل انقسام داخلي عميق، زاد من حدة أزمته وإرباكه وتبديد طاقاته.
وها هي عملية الأمس تأتي لتشير إلى مدى الانكشاف الأمني والسياسي؛ الذي يعاني منه لبنان، كما إلى مدى الهشاشة التي بلغها وضعه الداخلي! مع كل ما ينطوي عليه ذلك من قابلية للتفجر، فما أن صدرت الإدانات من جانب الأطراف كافة لعملية الاغتيال، حتى بدأ التراشق من جديد بالاتهامات؛ التي من شأنها زيادة تأجيج الصراع ورش الزيت على ناره.لبنان دخل سكة الاغتيال والتحدي اليوم برسم اللبنانيين والعرب لإنقاذه من التحول إلى عراق جديد.