طغت ضجة الحجاب في مصر المحروسة ـ بإذن الله ـ على ما عداها من قضايا تثقل كاهل البسطاء، وتكسر أعناق الأوفياء الخلص من مثقفيها، القابضين على جمر الحفاظ على رفعة مكانتها، وريادة دورها القيادي عربيا وإقليميا، في أن التفريط، وانفراط عقد امتنا، وفي عصر ساد فيه الهمل والجهل والفاسدون والأفاقون، المشاءون بنميم، والتبع المنقادون وراء نفايات موائد اللئام، من سارقي المال العام.

ضجة الحجاب التي أشعلها تصريح لوزير الثقافة فاروق حسني، قد تنتهي هذه المرة بإقالته، كسرا لقاعدة راسخة في النظام المصري الحالي، تحصن أي وزير أو مسؤول ضد انتقادات الشارع والنخبة السياسية والثقافية.

وربما يتخطاها الوزير المخضرم، جريا على عادته في إنقاذ نفسه من كل ورطة، وقع فيها منذ تسلمه كرسي وزارة الثقافة في عام 1988، وبرهن على انه أطول وزراء الثقافة عمرا، رغم انه أخفهم وزنا في ميزان الإسهام الثقافي والحضاري.

وهل يمكن لمكابر أو منافق من فيلق «الوزير» أن يقارنه بفتحي رضوان أول وزير في عهد ثورة 23 يوليو 1952، او ثروت عكاشة الذي مازالت بصماته الوضيئة باقية على جبين أنبل وأرقى موروثاتنا وتراثنا الفني والأدبي، أو بدر الدين أبو غازي، والذين على ميراثهم تقتات أجيال من شباب الفنانين والأدباء العرب.

على أن فاروق حسين الفنان التشكيلي المثير للجدل، الذي بدأ مشواره موظفا صغيرا في قصر ثقافة الشاطبي بالإسكندرية، وتنقل بين باريس وروما في مكتب الملحق الثقافي المصري، أذهل المراقبين في أول مواجهة مع النخبة، بقدرته الاستثنائية على كسب الخصوم، وتدجين المعارضين، وإخراس الأصوات الرافضة له، يشهد على ذلك، تحول الكاتب الراحل الكبير عبدالرحمن الشرقاوي من موقف الرافض جملة وتفصيلا لتولي حسني موقع وزير الثقافة، ورصده لأسبابه ومبرراته.

وفي اليوم التالي لنشر الشرقاوي مقاله القنبلة في صحيفة الأهرام، فوجئ المثقفون الذين دعاهم الراحل سمير سرحان لحوار مع فاروق حسني، بالشرقاوي يكيل المديح للوزير ويعتذر علنا منه، عن إساءته له، وتردد وقته ونشر في الصحف ان الثمن هو عرض مسرحية الشرقاوي «الحسين شهيدا» على المسرح القومي، وحتى وقتنا هذا لم تقدم المسرحية!

غايته، حافظ الوزير حسني على أسلوبه المبهر في تدجين المثقفين والفنانين، الذين اصطدموا به في أزمة القانون المشبوه «93» للنقابات الفنية وتحول كل رموز المعارضة إلى طابور أو فيلق الوزير، وجلهم من رموز اليسار الماركسي وحتى الناصري والقومي والإسلامي، ومدعي الليبرالية، يجمعهم حلف الفضول مع «وسية» وزارة الثقافة. وشعارهم نناصر من يناصر وزيرنا ونعادي من يعاديه.

ووقعت واقعة ضجة تصريحات فاروق حسني المسيئة والمهينة للنساء اللائي يرتدين الحجاب، ووصفه لهن بالتخلف، ومغازلته لصاحبات الشعور الجميلة الطويلة، وكيف يحجبن هذا الجمال عن العيون؟

ويزعم انه كان سيجبر زوجته على خلع الحجاب!

وقامت الدنيا في مصر ولم تقعد حتى ساعته، بل تخطت الضجة الحدود القطرية، وأدلى الإسلاميون في السعودية والأردن والجاليات في عواصم أوروبا بدولهم واتفق الجميع على رفض تصريحات حسني، وضرورة محاسبته.

وانضم نواب الحزب الوطني الحاكم في مصر إلى المعارضة في المطالبة بإقالة حسني، وزاد الوزير المسؤول عن ديوان الرئاسة المصرية زكريا عزمي بأن معظم زوجات الوزراء محجبات، ونصف المشاركات في حملة مبارك الرئاسية محجبات.

ولم يتخذ الوزير حسني من الوزير البريطاني جاك سترو مثلا، وأصر على خطئه ورفضه للحجاب، رغم أن سترو جاهر باحترامه الوفير لكل من ترتدي الحجاب، وخوفه ممن تخفي شخصيتها وراء برقع ونقاب،وهو من غير المسلمين!

وخلافا لهذا الموقف، هب «فيلق» الوزير دفاعا عن حرية الرأي، وضد ما يعتبرونه «فاشية إسلامية» تفرض التخلف الحضاري، وتشد مصر إلى الوراء، وكأن خلع الحجاب سيحرر عقول المصريين، ويعيد لمصر عافيتها الاقتصادية والعلمية والسياسية والثقافية، التي فقدتها في ليل عربد في ظلماته العابثون، الذين يصورون العبث والانحلال الأخلاقي على أنه حداثة.

عود على بدء قد ينجو الوزير حسني كما نجا من قبل من ورطة ضجة الحجاب، لكن الخاسر، الوحيد هو «النخبة» التي فقدت دورها وحسها التاريخي، واكتفت بالجلوس في طابور صد الأذى عن الوزير لقاء الضئيل من فتات «وسية» الثقافة، أو خداع الذات بدور «دون كيشوت» في معارك وهمية لتحديث مصر واستنارتها، وهم الغائبون عن معركتها الأساسية في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قيمها المهدرة تحت وطأة أحذية الفاسدين الناهبين لقوت المصريين وتاريخهم وآثارهم.

وقد يكون الوزير حسني «كبشا لمحرقة» التغيير والإصلاح السياسي والتعديل الدستوري، وتكون إقالته تفريغا لشحنة غضب في غير موضعه.

على كل حال، اعتقد أن الآوان قد آن ليستنقذ المثقفون أنفسهم، ويعودون إلى دفء الحضن الشعبي، والحقيقة، ويعيدون البهاء إلى جبين ثقافة مصر العربية.