قطع أمير الكويت حفظه الله الشك باليقين في اجتماعه مع رؤساء الصحف الكويتية الأحد الفائت حينما أعلن على الملأ «أن الحل غير الدستوري لم يخطر على بالي». ونفى سموه ما راج من «أن الكويت سوف تتحول إلى ملكية»، ووجه أنظار رؤساء التحرير إلى ما يواجه الكويت من مخاطر وخاطبهم قائلاً: «يجب تقدير ظروفنا الخارجية وهي أكيد غير طبيعية وعليكم بنشر المحبة بدل الفتنة يا إخوان». ) القبس 20/11 ).

والحق أن شائعات كثيرة انتشرت خلال الشهرين المنصرمين عن حل لمجلس الأمة بشكل دائم وبمحاولة لتنقيح الدستور تنقيحاً يفقده قوته الرقابية والتشريعية المستقلة، وبإنشاء مجلسين أحدهم معين والآخر منتخب. ثم إضافة إلى ما سبق تحول الكويت إلى ملكية مما يعني تغييراً جذرياً في «بيت الحكم».

وهذه الشائعات لم تكن الأولى وهي بالطبع لن تكون الأخيرة، ذلك أننا في الكويت نشهد بين الفترة والأخرى شداً وجذباً تدل أن تجربتنا الديمقراطية ما زالت في مهب الريح ولما يتصلب عودها بعد.

وتجربة الكويت وإن كانت نسبياً طويلة إلا إنها كانت دوماً متقطعة وعانت من الوقفات. فالإرهاصات الأولى لها والتي تمتد إلى عشرينات القرن الماضي أثمرت في تشكيل مجلسين: الأول مجلس الشورى في العام 1921 الذي لم يعمر إلا شهرين، والذي وضع مبادئ عامة لدستور كويتي.

ثم المجلس التشريعي للعام 1938 والذي تعرف سنة تأسيسه في الذاكرة الشعبية «بسنة المجلس». وقد وضع هذا المجلس الدستور الكويتي بشكله الواضح والمفصل، ومارس سلطات أكثر من تشريعية ورقابية، إذ كانت له أيضاً سلطات تشريعية. وهذا المجلس المنتخب من مجموعة محدودة من العائلات معظمها كان ينتمي إلى العائلات التجارية لم يعمر كسابقه طويلاً إذ إنه حل بعد ستة أشهر من إنشائه.

ومنذ العام 1930 وجدت مجالس تخصصية منتخبة كان أولها المجلس البلدي، ثم مجلس المعارف فالصحة والأوقاف. وهذه المجالس عملت على تطوير المجتمع الكويتي في أوجهه المختلفة، فكان المجلس البلدي بمثابة «الحكومة» التي تنظم سير الشؤون اليومية بالنسبة لسكان الكويت، وكان لرجالها سلطات تنفيذية.

وقد امتد عمل تلك المجالس إلى نهاية الخمسينات، وكان أعضاؤها بشكل أساسي يمثلون تيارين: تيار يدور في فلك السلطة والتيار الآخر هو التيار القومي الذي سيطر على المشهد السياسي منذ الثلاثينات. أما التجار ( من العائلات العريقة ) فقد كانوا عماد تلك المجالس، وشكلوا المعارضة الوطنية.

وجاء وضع الدستور في العام 1962 بعد سنة واحدة من استقلال الكويت وفي ظل تهديدات عبد الكريم قاسم باحتلال الكويت ليضفي بعداً معيناً على الديمقراطية في الكويت وهو تأثير العامل الخارجي الضاغط المهدد في بعض الأحيان لوجود الكويت.

وسنلاحظ هذا العامل واضحاً أيضاً في العام 1990 حينما عقد الكويتيون مؤتمرهم في جده ليؤكدوا على تمسكهم بالأسرة الحاكمة وبدستورهم الذي ارتضوه جميعاً. وكانت مفاجئة للجميع حينما دعي «المجلس الوطني» للانعقاد بعد تحرير الكويت، وهذا المجلس كان مثار جدل بين الكويتيين إذ إنه جاء على غير رغبتهم في الحوار الذي دار بين النظام وبين قادة تجمعات «الاثنين».

ثم عادت الحياة النيابية بعد أن كانت مرت بمطبات كثيرة تمثلت في تزوير انتخابات العام 1967 ثم حل المجلس في العام 1976 ثم عودته بعد اندلاع الثورة الإيرانية ونشوب حرب ضروس على مرمى حجر من الكويت أقصد بها الحرب العراقية الإيرانية.

وتتوقف الحياة النيابية مرة أخرى في العام 1986 لتستمر أربع سنوات عجاف كانت نهاية احتلال العراق للكويت. وقد سبق ذلك الحدث الجلل توتر في الشارع الكويتي سببه الاستمرار في تعطيل الدستور ومطالبة الكويتيين بجميع فئاتهم تقريباً بعودة العمل به.

ولم يسلم مجلس الأمة من الحل في فترة ما بعد تحرير الكويت، بيد أن الحل جاء دستورياً هذه المرة في العام 1999 ثم في العام 2006. وفي فترات الحل تلك سواء الدستوري منها أم غير الدستوري كانت الكويت تشهد حالة من «التحفز والشد ».

ولم تستطع السلطة في فترات الانفراد بالحكم أن تحقق للمواطن الكويتي ما عجزت التجربة النيابية عن تحقيقه، بل إن سياسة الانفراد قد ورثت الكويت الكوارث ككارثة الاحتلال في العام 1990!! وبات المواطن الكويتي على قناعة بوجود المجلس رغم أن الجميع يقر بوجود سلبيات للديمقراطية الكويتية لا بد من التخلص منها وهي علقت بها نتيجة للتركيبة الاجتماعية الطائفية والقبلية للمجتمع الكويتي فضلاً محاولات البعض تخريب تلك التجربة وإظهارها بشكل سيئ.

وفي ظني أن الديمقراطية الكويتية لا يمكن قياس أدائها في تتبع الحياة النيابية، ذلك إن أداء مجلس الأمة يشوبه الكثير من النواقص والسلبيات، بل يمكن قياس ذلك بأجواء الحرية والانفتاح التي تعيشها الكويت.

وإذا كانت تلك الأجواء تلبدت بالغيوم بين عامي 1976 و 1980 ثم مرة أخرى بين 1986 إلى عام الاحتلال، فإن تلك الأجواء المنفتحة قد استمرت بعد تحرير الكويت وهي في تطور. ولا شك أن حيوية المجتمع المدني ونشاطه الطوعي والتلقائي تضفي مزيداً من العمق الشعبي على الديمقراطية الكويتية.

ويمكن الجزم بأن الديوانية الكويتية تلعب الدور الرئيسي كمنبر للحوار والنقاش في شتى المسائل بصورة تلقائية وعفوية وبالتالي فهي تمثل القاعدة الشعبية للديمقراطية في البلد، ولذلك ثمة حرص من جميع القوى الفاعلة في المجتمع بالتواصل مع الديوانيات سواء كان هؤلاء من أفراد الأسرة الحاكمة أم من الوزراء وبالتأكيد من النواب والشخصيات السياسية. وأصبحت للنواب وللقوى السياسية ديوانيات هي بمثابة المقرات الحزبية.

وقد أثبتت تجارب الأمم العريقة في ديمقراطيتها أن الديمقراطية وإن كانت تشوبها بعض السلبيات بالذات في مجتمعات كمجتمعاتنا، فهي أفضل وسيلة للحكم وأقلها ضرراً على الحاكم والمحكوم.

وبالتالي فمهما قيل عن سلبيات التجربة الكويتية فإن تلك التجربة جديرة بالدرس والتأمل إذا هي طورت أداءها مع مرور الوقت وتنتظر مزيداً من التطوير والارتقاء كلما طال بها الزمن. فليست الديمقراطية الكويتية وحدها التي مرت بتجارب ومحن عصيبة، بل أكاد أن أقول بيقين إن كل التجارب الديمقراطية حتى بالدول العريقة مرت بظروف صعبة لتخرج منها وهي أصلب عوداً وأقوى بنياناً.

كاتب كويتي

Alyusefi@hotmail.com