كان لبنان ولا يزال ونحسبه سيظل رمزا للحرية والاستقلالية والممارسة الديمقراطية وأيضا الاستعداد الدائم للمقاومة ضد أي احتلال خارجي ، وكان لابد ان يعترض هذه المسيرة المظفرة في المحيط العربي والإقليمي والدولي أزمات واحتقانات وخلافات في الرأي ، لكن حين تصل أزمة لبنان الى حد اغتيال شخصية من شخصياته السياسية المحورية ، فإن زلزالا يهز بعنف الساحة اللبنانية ومن ورائها الساحة العربية ككل باعتبار لبنان دولة عربية ذات أهمية قصوى في هذه المنطقة من العالم لذلك فحين وقع ذلك الحادث الجلل باغتيال الوزير بيار الجميل أمس اهتزت مشاعر العرب وأمسك الناس قلوبهم خوفا على مستقبل هذا البلد الشقيق الذي صار رمزا للنضال العربي ككل على صعيد التطور والنهوض السياسي والاقتصادي من جهة والوقوف في وجه أية محاولة للنيل من السيادة والعزة الوطنية من جهة أخرى .
لقد شاء قدر لبنان أن يحتوي على هذا القدر الكبير من التنوع العرقي والمذهبي وفي نفس الوقت شاء قدره أن يكون على خط تماس مع إسرائيل التي زرعت وتسعى لزراعة الفوضى في المنطقة العربية حتى يظل ثمة مبرر لإرهاب الدولة الذي تمارسه ضد كافة الشعوب العربية التي تحتل أراضيها .
ان الماضي المفعم بالمآسي الذي عاشه لبنان قد علم شعبه وقياداته أيضا أن يكونوا واعين للمؤامرات التي تستهدف أمن وسلامة اللبنانيين وتعايشهم وسلامهم الاجتماعي الذي جاهدوا للحفاظ عليه بينما لم يتركهم أعداؤهم يهنأون لحظة بما تتميز به بلادهم من جمال ووعي وثقافة وتعايش وحين خرجت إسرائيل من لبنان مهزومة في آخر مواجهة مع مقاومته العنيدة في أغسطس الماضي كان الجرح الإسرائيلي اعمق من أن يمضي مع الزمن الى حيز النسيان ، وتوقع الناس ان يكون هناك انتقام بشكل أو آخر من هذا التماسك اللبناني الفريد أمام المحن ولا يمكن ان يتواجد مستفيد واحد من حادث مقتل بيار الجميل والذين سبقوه إلا إسرائيل ، التي هي آخر من يرد اسمها في قوائم المتهمين بسبب ما تحظى به من دعم خارجي غير محدود ومبررات مستمرة لاعتداءاتها الظاهرة والباطنة .
على أية حال يجب ألا يسمح اللبنانيون لبلدهم أن ينجر إلى مستنقع شبيه بما حدث في العراق ، حيث عجزت القوات التي غزته بكل ما تملك من قوة واستعداد عسكري عن أن توقف شلالات الدم التي تفور في جنبات شوارعه كل يوم فهناك فارق كبير بين الجدل السياسي والتحزب والتحالفات السياسية وبين انجرار وطن الى اتون حرب أهلية ، فالسلام الاجتماعي أغلى ما يمكن لشعب في العالم أن يحافظ عليه ،
ويبقى أمام الشعب اللبناني ومؤسساته السياسية وكل الذين يحبون لبنان ويخلصون له الحب ان يساعدوا جميعا على كشف الحقيقة في هذا الحادث البشع خاصة وأنه تم في زمان ومكان يجعل العثور على الفاعل ممكنا حسب ما أشار عديد من المختصين الأمنيين اللبنانيين .
إن عناوين الهزيمة لا تكون في حجم الدمار الذي يلحق بلدا تعرض للعدوان او حتى في حجم الضحايا والشهداء بل في حجم الهزيمة النفسية والانهيار الداخلي الذي يتعرض له ذلك البلد المستهدف بالعدوان ، وقد تعلم لبنان اكثر مما تعلم غيره من فنون المواجهة والخروج من المواجهة بصلابة اكثر والأمل قائم في ان اللبنانيين لن يقدموا على ما يحاك لهم من (انتحار) يرتبه لهم خصومهم الذين عجزوا عن هزيمتهم في ساحات الحرب فراحوا يرتبون لهزيمتهم بأيدي أبنائهم وبتعميق الخلافات فيما بينهم .
لقد مر ويمر لبنان بمحن كثيرة وهو بحاجة الى دعم معنوي كبير في هذه اللحظات الحرجة من تاريخه المعاصر ، ولا نحسب الأشقاء العرب سيتركونه وحيدا في هذه المواجهة الصعبة مع أعدائه ومع ظروفه الحساسة .