يمر لبنان في لحظة دقيقة، يلفها الخوف من وقوع المحظور. أبوابه مشرعة لرياح، قد تكون عاتية. أصلا هو يعيش، منذ فترة، حالة مأزومة. وقد تفاقمت أمس مع اغتيال وزير الصناعة بيير الجميل في إحدى ضواحي بيروت.
ولقد جرت محاولات استدراك الأزمة من غير جدوى، فجلسات التشاور انتهت بسرعة إلى طريق مسدودة. تبعها تصاعد الثلوج بالشارع. تلاه نوع من التريث المشوب بكثير من التوتر والمنذر بمفاجآت مفتوحة على كل احتمال.
وفيما يعيش هذا البلد، الذي تستبد به الأزمات المتلاحقة، حالة ترقب وقلق وحبس أنفاس، تتوالى المساعي المكثفة والجهود المتسارعة لاستباق الانزلاق خطوة أخرى، نحو اللاعودة بين الأطراف المعنية. وكانت، في الأيام الأخيرة، قد برزت في خطاب هذه الأطراف، مؤشرات تنم عن رغبة في تمديد الوقت أمام محاولات البحث عن مخرج. بل عن رغبة في ابداء ليونة ما.
هذا في الظاهر. لكن في الجوهر، لا شك بأن الوضع متفجر والأزمة عميقة ومعقدة. وحتى اللحظة لم يحصل أي تزحزح عن المواقف المعلنة. لكن ذلك لا يجب أن يعني بان الأبواب باتت موصدة تماماً أمام أي حل. بل ما يجب أن يكونه، هو العكس ذلك أنه ليس من مصلحة لبنان ولا من مصلحة القوى المتصارعة أن تتطور الأمور وتؤدي إلى مأزق وطني يصبح معه كل شيء موضع تهديد. بل يصبح الهيكل برمته في مثل هذا الموقع .
على الأقل هذا ما تنطق به التخوفات المتداولة والشائعة. وهذا بحد ذاته سيناريو مؤرق. بل مريع. وبالتالي لابد من استنفار كافة الجهود والأوراق الميسورة، خلال ربع الساعة الأخير، بغية تنفيس الأزمة. أو على الأقل خفض درجة حرارتها؛ من خلال تمديد فترة التريث؛ تمهيداً لنفخ الحياة في قنوات التواصل والعودة إلى التحاور.
فالبلد «منهك» الآن، كما قال رئيس الحكومة اللبنانية أمس وهنا تكمن حساسية الوضع ووجوب حمايته من أية اهتزازات، قد يقود إليها التأزيم الراهن. فهو لم يعد يقوى على احتواء المزيد من الصدمات. كافة الكوابح الوطنية والعربية والصديقة، مطلوب استنفارها الآن.
المشكلة لها أبعاد وامتدادات خارجية وإقليمية. وبالتالي هي تتجاوز لبنان وقدراته وتهدده بالتحول إلى «مسرح لنزاعات الآخرين»؛ كما قال السنيورة. وقد سبق في أواخر القرن الماضي أن تم تحويله إلى ساحة لمثل هذه النزاعات ودفع ثمناً باهظاً لذلك. ودرس تلك التجربة كان أحد نقاط القوة التي عززت مناعته، حتى الآن، وحصنته ضد أي فتنة داخلية.
وهذا الدرس هو موضع اختبار الآن. ومن حق اللبنانيين، بل من واجبهم؛ عدم التفريط به أو تبريره. فهو أشبه ببوليصة التأمين، الذي يحتاجه لبنان، اشد الحاجة؛ لحماية تركيبته المتنوعة.
إن حروب الاتهامات والشروط وممارسة لعبة العض على الأصابع، تهدد هذا المكسب - الضمانة.ولاشك أن اللبنانيين مدركون لهذه الحقائق. ولعل تهيب اللحظة الراهنة المشحونة بكل عوامل التصعيد والمخاطر التي ينطوي عليها والتي تهدد البلد بكامله؛ يؤدي إلى صحوة ذاتية تنقلهم من حالة المشي الخطير على الحبل المشدود إلى السير على طريق الأمان الوطني.