مع بداية انفجار العنف الدموي، الإثني والطائفي، في العراق؛ ارتفعت أصوات التحذير من لبننة البلد أو بلقنته، لكن التحذيرات ذهبت هباء، شلال الدم راح يزداد تدفقه، وراحت الفجوة المذهبية تتوسع أكثر فأكثر، الخميرة كانت موجودة، نظام صدام البائد كان قد جعل التربة خصبة لنبتة القتل على الهوية وتصفية الحسابات. ثم جاء الاحتلال وحرص على تعزيز تلك الخصوبة.

فرط الدولة العراقية ليعيد إقامتها على أسس المحاصصة القومية ـ المذهبية. الحكومات المتعاقبة، الانتخابات وقوانينها؛ فضلاً عن الدستور؛ كله ثم تفصيله على قياسات التوزيع، الذي تزعم واشنطن انه جاء ليعكس التركيبة السكانية، ولكنه في الواقع أتى ليكون قنبلة موقوتة جاهزة لتفجير الوضع العراقي وتقطيعه، ثم دخلت قوى اقليمية على الخط لترسيخ هذا الواقع وبالتالي لزيادة تأزيم المعادلة وتأجيج خلافاتها.

وبذلك اكتملت استباحة العراق وعملية النزف، التي أريد له ان يغرق في مستنقعها، وهكذا كان. فهو اليوم تجاوز بكثير ما وصله لبنان، في حربه الأهلية التي امتدت منذ 1975 حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، تخطى بأشواط اللبننة التي كان يضرب بها المثل، في الحديث عن البؤر الملتهبة والمهددة بالتفكك والتقسيم، صارت العرقنة هي مضرب المثل؛ في هذا المجال.

ومن سخرية القدر، أن المرشح الأول للعرقنة، في هذه اللحظة، هو لبنان. وكأن هذا البلد لم يتعلم شيئا من تجربته السابقة المريرة والمكلفة. أو كأنه يصر على استرجاع اللبننة ـ التي كان العراق قد استوردها بعيد احتلاله ـ بصيغتها المعرقنة. أو على الأصح هو يبدو وكأنه يساق إلى هذا الخيار. والمفجع أن القوى المتصارعة متجاوبة مع هذا الانسياق.

بل مندفعة في طريقه. لا فرق، سواء كانت تدري أم لا. هي تزعم ان دوافعها لبنانية صرفة. لكل فريق حيثياته. ولكل حيثيات جدارتها ووجاهتها. لكن القاصي والداني يعرفان أن الشروحات والمزاعم المطروحة، هي للاستهلاك، وراءها تقف أسباب ودواع أبعد من الملف الحكومي.

اقتراب مواعيد استحقاقات كبيرة وحاسمة أشعل فتيل الصراع السياسي ووصل به إلى الانسداد، ووسط ضجيج التراشق والتهديدات المتبادلة بالنزول إلى الشارع والشارع المضاد؛ تلوح ملامح حروب الآخرين ومشاريعهم. ومن جديد يبدو أن لبنان سائر أو مسير نحو التحول إلى ساحة صراع أكبر منه ومن قدرته على الاحتمال.

مطلب «حكومة وحدة وطنية» مفهوم ومشروع. وكذلك مطلب إقامة المحكمة الدولية. كلا الطرفين يقر بمشروعية المطلبين؛ من حيث المبدأ. وكلاهما يؤكد أنه ينطلق من حرصه على مصلحة لبنان ومع ذلك يحتدم الصراع ويهدد بمواجهة مفتوحة على انكسارات وتداعيات خطيرة، ولا تفسير لهذا التناقض الا بواحد من اثنين:

إما ان الأطراف باتت أسيرة الاستقواء بالخارج ـ والاستقواء هذا مرض لبناني مزمن استولده سرطان الطائفية السياسية الفاتك بهذا البلد المنكوب ـ؛ وبالتالي أسيرة التماهي مع سياساته ومخططاته. وإما أنها حسمت باتجاه القطيعة في الداخل واختيار سياسة الإلغاء والشطب للآخر؛ طلباً للاستئثار.

وفي الحالتين الانهيار مضمون، لاسيما وأن البلد بلغ حداً من الهشاشة وسرعة العطب غير مسبوقة، هو بالكاد يقف على رجليه عند حافة الهاوية. والمخيف أكثر أن زمامه لا يبدو أنه بيد أصحابه المنغمسين بلعبة تمويه لما هم فيه حقيقة.

جماعة 14 آذار يزعمون أن حكومتهم باقية بحكم الدستور لأنها تملك الأغلبية. وبالتالي فهم يمارسون العملية الديمقراطية بأصولها، صحيح، وجماعة 8 آذار يزعمون أن نزولهم إلى الشارع للتظاهر بصورة سلمية ـ لإسقاط الحكومة ـ حق يكفله الدستور والحياة الديمقراطية، صحيح.

لكن وراء هذا الصحيح وذاك هناك حقائق أخرى تتقدم على هذه المزاعم. فلبنان، في الوقت الراهن، غارق في التوجس والهواجس. ثم هو يعيش حالة احتقان مذهبي وصل منسوبه إلى علو مقلق لا تخطئه العين، كما يعيش حالة استنفار واستقطاب شديدة؛ في ظل حروب الاتهامات والتخوين.

التطمينات المكرورة بأن وقوع الفتنة لن يحصل؛ هي من النوع الذي لا يغني عن جوع. لقد سمعنا مثلها في العراق ورأينا ماذا جرى وإلى أين وصلت أموره، المسألة هنا ليست في صدقية المطمئنين، بل هي في الواقع القائم وحقائقه العنيدة والمخيفة على الأرض. محاولة اللعب بالنار حتى في وجود الاطفائي لا يضمن بالضرورة القدرة على إطفائها، القش اللبناني يابس أكثر من اللازم.

وهو قريب من النار المشتعلة في المنطقة. والعاملون على اضرام المزيد من النيران في ارجائها وبالتاحديد في لبنان الآن، أكثر من عدد وأكبر من قدرة المتحدثين عن استبعاد الفتنة، ولا يصح تبرير الخطوات التي قد تؤدي ـ بالرغم من حسن النوايا ـ إلى مثل هذه النهاية، «بمشروعية» المطالب.

المشروعية مسألة نسبية في اللحظة الراهنة، الأولوية والمشروعية تنحصران في ضرورة تعزيز اللحمة الوطنية لتمكين البلد من لملمة أشلائه والنهوض بأعباء هذه المرحلة والتي فاقمها العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان. وحدها المرونة هي المدخل الآمن. لعبة الغص على الأصابع، في هذه الظروف، مجازفة كبيرة، وقد تكون مقامرة.

وليس خافياً، في ضوء السوابق والوقائع، ان المراهنة على الخارج خاسرة، التجربة العراقية خير برهان، ولبنان تعب من التجاذب ومن حبس الأنفاس. وهو مهدد بالانفساخ، لو سقط الحوار والتشاور واستبد بالساحة العناد وركوب الرأس. لقد نجح الخارج «بلبننة» العراق ودفعه إلى التمزق والكرة في ملعب اللبنانيين، كي يتوقفوا قبل فوات الساعة، ويمنعوا «عرقنة» لبنان، هذا إذا لم تكن الساعة قد فاتت فعلاً.