ثمة صفحة جديدة فتحت بالأمس في مسيرة العلاقات بين سورية والعراق بعد انقطاع غير طبيعي، لم يكن لسورية شأن به، ولا بتبعاته، وإنما جاء بمبادرة من النظام السابق، وبعد سقوطه وجهت لسورية اتهامات ومزاعم لا أساس لها على أرض الواقع، روجها أولئك المعنيون بالتدخل في شؤون العراق والمنطقة كلها، بموجب مخططات استعمارية وضعوها مسبقاً على شاكلة مخطط الشرق الأوسط الجديد.
الكل في المجتمع الدولي وخاصة الإدارة الأميركية، يعرف أن سورية حذرت من مخاطر وتداعيات التدخل الأجنبي في العراق، ونصحت بعدم القيام بأي مغامرة عسكرية لغزوه، ثم رفضت هذا الغزو الذي لا يمكن تسويغه، ولا قبول ذرائعه، من كل النواحي القانونية والدبلوماسية والسيادية، ولأجل ذلك عوقبت سورية أميركياً على الأقل، لأنها رفضت احتلال العراق، ولم تنحنِ أمام العاصفة الأميركية الهوجاء، التي أرادها صقور البنتاغون اجتياحاً شاملاً للشرق الأوسط يرغم شعوبها على الخنوع والتسليم بكل ما تطلقه مخيلة الإدارة الأميركية من أحلام امبراطورية عنوانها «عصا الطاعة».
يضاف إلى ذلك أنه منذ الغزو وبدء معاناة العراقيين وانتشار المقاومة الوطنية، وكذلك الفوضى الأمنية، وما خلفته من مآسٍ، عانى ولا يزال يعاني منها المواطن العراقي، كان ذلك في مجمله بسبب الاحتلال ومن تداعياته، ومن ثم فإن المحتلين يتحملون كامل المسؤولية عمّا جرى للعراق شعباً وأرضاً، وليس دول الجوار، وفق مزاعم المحتل، الذي فشل مخططه في العراق وبات يحمّل الآخرين مسؤولية أخطائه الكارثية.
هذه الحقائق، وهذه المعطيات، توصّل إليها المحتلون أنفسهم ولا أدلّ على ذلك من الفشل الذريع الذي مُنيت به إدارة الرئيس بوش في انتخابات الكونغرس، حيث كان العامل العراقي في صُلب هذا الفشل، وهذا السجال الدائر الآن في غير عاصمة أوروبية أخذت تتحدث عن مصداقية الموقف السوري والرؤية السورية الموضوعية لما قبل الاحتلال وبعد تنفيذه.
وعلى هذه القاعدة أعلنت سورية على لسان الوزير المعلم ومن بغداد أن وجود جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية من العراق من شأنه تحقيق الاستقرار، وقال: إن سورية التي تؤلمها كل قطرة دم عراقية تراق تدين كل ما يلحق الأذى بالشعب العراقي، وهي معنية جداً بهذا الشعب الشقيق وحريصة على وحدته واستقراره ونجاح العملية السياسية والمصالحة الوطنية.
وعلى هذه القاعدة أيضاً، فإن زيارة الوزير المعلم لبغداد ومباحثاته مع الرئيس طالباني ورئيس الوزراء المالكي ووزير الخارجية زيباري، هي تأكيد سوري جديد على نيّة الخير والمحبة التي تكنّها سورية تجاه العراق الشقيق شعباً وحكومة، وليعود العراق معافى موحداً إلى أمته.. إنها صفحة جديدة في مسيرة العلاقات والمصالح المشتركة السورية ـ العراقية، وعودة إلى ما يجب أن تكون عليه علاقات الانتماء والجوار والأخوّة.