قد يكون غزو العراق آخر الحروب بين قوتين غير متعادلتين، بناءً على ما جرى ويجري الآن من هزيمة للقوات الأمريكية، والمتحالفة، وحتى إسرائيل بما دمرته في اعتدائها على لبنان لم تكن المنتصرة، وإن لم تهزم بشكل ساحق، ومثل هذه الوقائع ربما تحدِّ، أو توقف سياسة القوة،
ولعل أمريكا، تحديداً، يمكنها قبول هزيمة فيتنام، وانشطار الكوريتين بعد حربها على البلدين، لكنها غير مقبولة من بلد عربي تراه غنيمة لها في وسط جغرافي أقرب للتفتت، والمعنى هنا يتصل بالوجود الإسرائيلي الحليف، والذي ألحق بالعرب أكثر من هزيمة، إلا أن دواعي العداء المتواصل عقب خطف الطائرات، ثم ضرب المواقع الاستراتيجية لإسرائيل خارج حدودها، وتداعيات القضية الفلسطينية هي من غرست شجرة الإرهاب من فئات ومنظمات إسلامية لم تكن على علاقة مباشرة بالكفاح الفلسطيني، أو أنهم من أعدَّ لها أو نظمها، لكنها جاءت من حالة قهر عام وجدت الطرق مفتوحة بما في ذلك القلب الأمريكي الذي ضربته تلك اليد الباطشة..
موضوع العراق قد يحدد أُطر السياسة الأمريكية في المنطقة، فإما انسحاب كامل، وآثاره قد تقلب الواقع وتشكل خرائط جديدة تؤدي لاحتمالات سيئة أو أن تبقى بشكل أكبر، لكن مع معالجات لأوضاعه بإشراك كل الأطراف المتداخلة بالحرب، ونقطة الارتكاز في هذه السياسة الاعتراف أن القضية الفلسطينية هي المحور الذي تدور عليه كل الأزمات منذ نصف قرن سواء جاءت على شكل انقلابات تريد توحيد الأمة العربية، ومن ثمَّ الالتفات إلى إسرائيل، أو تلك الحروب التي صعدت الأمور إلى تهديد بحرب عالمية ثالثة بين السوفيات وحلف الأطلسي، ولعل إدارة الصراع بالمنطقة من خلال الاستهانة بتراثها وشعبها وعقائدها، قد يخلق حوافز أخرى في تنامي ظواهر الإرهاب، وهو الطريق الأسهل بتجميع الناقمين من كل أوضاع المنطقة ووضع أمريكا وإسرائيل على لائحة الاستهداف بمختلف الوسائل..
مسار العراق أكثر خطورة من أوضاع أفغانستان حين تخلى عنها الأمريكان بعد هزيمة السوفيات والتي صنعت حكومة طالبان ثم ميلاد ابنتها القاعدة .والعراق بجغرافيته الحساسة وإمكاناته، قد يكون الرحم الأكبر لميلاد قوى أكثر خطورة على المنطقة والعالم بأسره، ما لم تعالجه الأوضاع بكفاءة السياسة، لا الحروب..