قبل أكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام بدأت أكبر عملية عسكرية لنقل الديمقراطية إلى المنطقة عن طريق البوابة العراقية، وكمدخل لما بات يطلق عليه أميركياً الشرق الأوسط الكبير. احتلت القوات الأنجلو ـ أميركية العراق الذي كان يعاني تبعات الحروب المحلية والخارجية والحصار الاقتصادي وأسقطت نظامه السياسي والأمني والإداري ودمّرت قوته العسكرية وبنيته الأساسية، وقتلت واعتقلت وهجّرت أركان ورموز نظام الحكم فيه.
استبشر الكثيرون من العراقيين خيراً وخاصة من أركان وأتباع المعارضة العراقية السابقة على أمل بدء مرحلة جديدة لعراق ديمقراطي يُحكم من ممثلي أحزاب متعددة ويتبع نظاماً فيدرالياً، إقتداءً بدول أخرى ذات شأن ووزن دوليين مميزين مثل الولايات المتحدة وألمانيا الاتحادية وسويسرا وروسيا والهند وغيرها.
غيّب المنظّرون للعهد الجديد في العراق التجارب التي حدثت في الدول النامية والتي حين سقطت أو ضعفت أنظمتها السياسية المركزية وقعت في أتون حروب أهلية لم ترحم حتى الأطفال الخدّج في حاضنات الأطفال في المستشفيات، دول مثل لبنان والصومال وأفغانستان والسودان ودول افريقية وآسيوية أخرى.
إضافة إلى الأعداد المتصاعدة بحدة من القتلى والجرحى والمرعوبين حتى الموت وصلت البنية الأساسية للاقتصاد العراقي إلى حالة غير مسبوقة تاريخياً بين الدول، حتى لدى كل الدول التي جربت مرارة الحرب الأهلية ولفترة طويلة مثل الصومال ولبنان وأنغولا. لم تسلم شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والجسور ومحطات الوقود والمستشفيات ودور العبادة ومرافق التعليم، وبشكل واسع، لم تسلم كلها من أيدي العابثين المخربين والميليشيات والعصابات والمحاكم الميدانية للطوائف والمذاهب والأعراق في طول البلاد وعرضها.
انحسر مجال عمل وتواجد مؤسسات الحكومة في «المنطقة الخضراء» وثكنات أخرى للجيش ومغاوير الداخلية والتي تخترقها الميليشيات الطائفية وقياداتها المتطرفة طائفياً ومذهبياً وسياسياً. وبسبب الفوضى الاجتماعية والأمنية المتصاعدة انكفأت مراكز الشرطة المكلفة بتطبيق النظام، وتحوّلت إلى قلاع وجزر صغيرة محصنة داخل المدن والأحياء وضواحي المدن، يحتاج أفرادها الحماية الأمنية لأنفسهم أولاً.
يحيط بمراكز الجيش والشرطة والأمن الجديدة مكعبات كبيرة من الخرسانة تعيق حركة الدخول والخروج من وإلى وحول تلك المراكز. حتى ما بعد أكثر من خمسة أشهر على البدء بتنفيذ الخطة الأمنية الحكومية، فُقد الأمن بصورة أكثر مأساوية وانتشر الرعب والخوف في الشجون الرئيسية والفرعية للمدن والبلدات العراقية.
يوماً بعد يوم تتعاظم الاختراقات للأجهزة الأمنية وتغرق البلاد في حرب أهلية طائفية ومذهبية تحول الإنسان العراقي إلى عدو لدود لنفسه بناء على تعاليم طائفية أو حزبية صادرة من هنا أو هناك. ما كان بالأمس يُعرف دولياً بالعراق الواحد الموحّد بات اليوم يوصم بالعراق السني والشيعي والكردي والكلدو ـ آشوري وغير ذلك؛ تقسيمات رئيسية وفرعية تفتت النسيج الاجتماعي وأضحى فيها الشعب العراقي مثل مسحوق بارود منتشر على أرض العراق يسهل إشعاله وتفجيره.
المتتبع للمشهد العراقي الحديث من الأساس يرى أن طاحونة الدم في العراق دُشّنت منذ اليوم الأول لدخول قوات الاحتلال إلى العراق. تسابقت الأحزاب السياسية والطائفية القادمة في معظمها مع آلة الحرب الأنجلو ـ أميركية، تسابقت على توطيد سيطرة مجموعاتها من الميليشيات المسلحة.
مع كل ميليشيا هنالك «محكمة تفتيش» ميدانية واحدة على الأقل تصدر فتاواها وأحكامها ميدانياً وتطبّق تلك الأحكام على عجل، لا منطق فيها للرجوع إلى قاض أو محكمة أو محامين للدفاع عن الحقوق الشخصية للضحايا المستهدفين والذين كثيرون منهم علماء وكتّاب ومفكرون مرموقون محلياً ودولياً.
الكثيرون من رؤساء محاكم التفتيش الميدانية تلك يقومون بتطبيق أحكامهم بأيديهم باستعمال الأسلحة الشخصية الخفيفة من سيوف وسكاكين وخناجر ومسدسات وبنادق ورشاشات خفيفة. كثرت أعداد السفاحين وتحولت قافلة الموت العراقية إلى ما يشبه كرة ثلجية ملتهبة! متدحرجة تتعاظم في الوزن والقدرة على التأثير على من حولها، خاصة في ظل ظروف احتلال أجنبي لا يهمه أن يرى شلال الدم العراقي يتدفق بغزارة ومن كل الجوانب.
نفس الذين يؤججون نيران المذهبية والطائفية والتطرف السياسي والعرقي في العراق يريدون تقسيم الدولة الواحدة والشعب الواحد إلى دويلات خاصة بهم، يحافظون فيها على الحد الأدنى من السيادة على أتباعهم؛ بذلك يؤسسون لحمام دم طويل الأجل واسع الأركان. تتوزع المسؤولية عن تضخيم حمام الدم العراقي على الاحتلال والحكومات المتعاقبة والعصابات الإجرامية وفرق الموت التابعة للميليشيات الخاصة والحكومية والجماعات الإرهابية، وعلى الجماعات المسلحة من هذا الاتجاه أو ذاك التي وجدت الفرصة الآن سانحة لتصفية حسابات قديمة وجديدة لها.
أكّدت التجربة العراقية المرعبة أن الديمقراطية ليست سلعة تجارية تباع وتشترى أو تُهدى أو يؤتى بها عنوة باستخدام التقنيات العسكرية. الديمقراطية عملية بناء لعقلية ومنهجية أجيال وفئات المجتمع تشمل التنشئة الأسرية والتعليم المدرسي والجامعي وتهدف في النهاية إلى توفير نزعة ذاتية في سلوك الفرد لاحترام الرأي والرأي الآخر، منهجية تؤدي إلى أن يقتنع غالبية الناس بضرورة التوجه إلى صناديق الاقتراع لتقرير الحاكم القادر على تحمل مسؤولية قيادة الشعب.
لم تدرك الإدارة الأميركية حديثة السن والعهد بتاريخ وحضارات وتجارب الشعوب حين اعتقد الكثيرون من أركانها أنه عن طريق تقليد الطريقة الأميركية في تسابق المرشحين نحو البيت الأبيض بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بكل بساطة، يتم استنساخ الديمقراطية الأميركية في أي مكان آخر من العالم.
قد يكون الأميركان أحسنوا النوايا ولكنهم قطعاً أساؤوا الفهم واختيار الأساليب والتقنيات التي اتبعوها لتطبيق الديمقراطية، خاصة إذا ما عدنا بالذاكرة إلى أن الكثير من المدن والبلدات العراقية قد دُمر أو أصابه الخراب الكبير بفعل آلة الحرب الأميركية. كيف للديمقراطية الأميركية أن تنجح وتنتشر في ظل انتهاكات واسعة موثّقة لحقوق الإنسان والطوائف والأعراق والأديان والممتلكات والإرث التاريخي والعلمي والحضاري؟!.
على القادة العراقيين الجلوس مع أنفسهم حول طاولة مستديرة وتوخي التفاهم والاتفاق على طريقة تنهي الوضع المأساوي الخطير الذي آلت إليه الأمور في العراق. لا تحل الأمور بتكرار رفع الشعارات والخطب الرنانة ولا اعتماد أساليب مختومة بخاتم الطائفية والفئوية والعرقية والمحسوبية، المقنّعة منها والسرية والعلنية.
على الطبقة الجديدة الحاكمة أن تتخلى عن أساليب الوعيد والتهديد القديمة ضد خصوم مفترضين والتنابز بالمثالب والنعوت السياسية والحزبية والطائفية والتخلي النهائي عن التحريض والتمييز بناء على اللون الطائفي أو المذهبي أو العرقي. الأجدر بالسياسيين العراقيين الجدد أن يعوا أنهم لم يصلوا إلى سدة الحكم بهمة سواعدهم ورجالهم، بل جاء كل الدعم والعون لهم من الآلة العسكرية الأنجلو ـ أميركية الضخمة التي لا تزال تنزف مالاً وسلاحاً وعتاداً ورجالاً وبغزارة بعد سنين على بدء الغزو والاحتلال.
أمام القيادة العراقية الجديدة فرصة لا تزال جيدة للقيام بتصالح حقيقي وواقعي مع أعدائها السياسيين، لا أن تصرف وقتها للتلاقي المتكرر مع أصدقائها أو حلفائها أو أنصارها السياسيين والطائفيين. لكن الواقع يبدو مظلماً ومؤلماً وداعياً للتشاؤم للعراق وأهله، تشاؤم ناجم عن ضياع العراق وحدة أرض وشعب وحضارة عريقة وخيرات واسعة فريدة من نوعها.
جامعة الإمارات