مرة أخرى يقع الفأس في الرأس، ويتناول الساسة المصريون والشارع والصحافة اسم فاروق حسني وزير الثقافة المصري الفنان وأقواله العلنية، فقد نقل عنه قوله انه ضد أن تلبس المرأة المصرية الحجاب، وان ذلك لم يكن من عادات المصريين قبل جيل واحد فقط. ولأن فاروق حسني وزير في الوزارة المصرية القائمة، فان تناول تصريحاته يتعدى الرأي الخاص ليصب في الموضوع السياسي المرهف في مصر اليوم.
وهو موضوع مفضل اليوم في الإعلام الغربي أيضاً، حيث أثير بشكل لافت على صعد كثيرة. معارضو فاروق حسني السياسيون ومعارضو الدولة وجدوا في هذا التصريح فرصة كاملة ومهيأة للهجوم السياسي، وقليل من مناصريه قاموا لنجدته من منظورات شتى. إلا أن القضية المطروحة تتعدى ما قاله فاروق حسني.
فمنذ أسابيع خلت «إبان عطلة عيد الفطر» ثارت قضية أخرى في الشارع المصري والصحافة، لها علاقة ما بالقضية المثارة اليوم، وهي «المعاكسات الجماعية في الشارع» وتناولت الصحف المصرية على اختلافها، وكذلك الإعلام تلك القضية تفسيراً وتحليلاً ومناقشة، بعض التبرير كان بسبب «تبرج» النساء الذي أغرى الشباب بالتهتك!!
ولكن كان بعض الفتيات من اللاتي اعتدي عليهن محجبات أيضاً!! النقاش تطور في معظمه إلى منظور سياسي، وهو خلط الدين بالسياسة، وطرح التساؤل على نطاق واسع من له حق في تحديد العادات الاجتماعية المقبولة وغير المقبولة في الشارع المصري، وبالتالي العربي أيضاً؟
يحدث هذا النقاش المحتدم في الفضاء السياسي المصري حول الزي النسائي، على خلفية مزعجة من القضايا الأكثر إلحاحاً وسخونة للناس العاديين، وعلى خلفية مئات الآلاف من الخريجين والمؤهلين دون عمل حقيقي أو محتمل في القريب، وعلى خلفية شكوى مرة من الفساد، وعلى خلفية تعليم يشتكي،
وأوضاع معيشية صعبة إلى درجة أن هزأ منها أحد المسلسلات في رمضان في مسلسل سكة الهلالي التي قالت نهاية كل حلقة من حلقاته في فقرة غنائية استمزجها الشارع وأعاد تكرارها في أكثر من لقاء تلفزيوني، وان لم تخني الذاكرة فهي تقول: (ما فيش ضنك وفلوس في البنك ولا حد بيرتشي والناس بتختشي، الشقق مرمية، والشُغل في كل حتة، واللحمة بسبعة جنيه وساعات تلائيها بستة)!!!..
هذه الأهزوجة التي تمثل طموحات الطبقة الوسطى المصرية وتطلعاتها المفقودة، وهي الأمانة وتوفر السكن والعمل ورخص نسبي في وسائل المعيشة، هذه المطالب المتخيلة، هي التي توجع الشارع المصري ويرغب أن تقوم نخبته السياسية بمناقشتها لإيجاد الحلول لها أن أمكن أو حتى لبعضها. ينصرف النقاش السياسي إلى الاحتدام حول تصريحات وزير الثقافة أو أحداث حصار وسط البلد من الشباب العاطل التي أثارت كل تلك الزوبعة من النقاشات العامة والخاصة، وما زالت تفعل.
إذا ضاعت الأجندة الحقيقية للمجتمع ودخل في نقاش بيزنطي عن جنس الملائكة وأصبحت وسائل الإعلام تلاحق التصريحات المختلفة للمتعاركين على طواحين الهواء، فكيف يمكن أن نتوقع حلولاً معقولة للموضوعات المعيشية الأكثر إلحاحاً لقاعدة واسعة من المواطنين.
موقف فاروق حسني يذكرنا من جانب آخر بفتوى «البرنيطة» التي أفتاها الشيخ المرحوم محمد عبده في مصر إلى رجل مسلم من جنوب إفريقيا حيث سأله الأخير عن مدى صحة اعتمار «البرنيطة» في شمس جنوب إفريقيا المحرقة، وهو عامل زراعي يقضي معظم وقت عمله في الشمس، فأفتى له الشيخ بجواز اعتمارها.
وقد فتحت على الشيخ محمد عبده وقتها نار النقد المقذع الذي طال حتى عقيدته، فكيف في نظرهم أن يلبس مسلم لباس «الكفار»، لقد كانت معركة «فكرية» محتدمة، نسيها الناس ويتذكرها التاريخ إلى يومنا.
الأصل في الفضاء الثقافي السياسي العربي المعاصر هي «الرقابة» بمعناها الواسع، وهي «أكبر مؤسسة ثقافية» أن أخذنا بعين الاعتبار الرقابة السياسية والاجتماعية، الرسمية والشعبية. يكفي أن نسمع الجاحظ يقول «إن أمكن (ولي الأمر) أن يعرف مبيت أحدهم ومقيله، وما أحدث فيها فعل...
عليه (أي على ولي الأمر) أن يفحص عن أسرار رعيته فحص المرضع عن منام رضيعها»!! ولا نعرف الآن أن كان نص الجاحظ ذاك قيل على سبيل التفكه، كما هي الأغنية النهائية لمسلسل سكة الهلالي، أم كان ذلك توصيفاً حقيقياً لولي أمر ذلك الزمان، الذي خلف فيناً جميعاً بعضاً من آثاره؟ وهي آثار الدولة الحارسة والمجتمع، الذي يعتبر كل اختلاف هو نقيصة مذمومة!
ولعل الأمر الهازئ الآخر ما نقرأه في كتاب سليم سركيس الذي نشر في أواخر القرن التاسع عشر في مصر بعنوان «غرائب المكتوبجي» حيث يقول انه أمام ثلاث نكبات الأولى صدفة الميلاد حيث ولد في فضاء الدولة العثمانية، والثانية بعد نكبة صدفة الميلاد «أن أهلي أرسلوني إلى المدارس» أما النكبة الثالثة فهي «أني تعلمت اللغة الإنجليزية». تلك النكبات الثلاث التي اشتكى منها سركيس قبل أكثر من مئة عام ربما اشتكى منها اليوم آخرون ولو بطريقة أخرى.
القضية الأساس هي في طرح الأوليات في مجتمعاتنا العربية وخوض المعارك الفكرية التي تستأهل الخوض من أجل حياة معيشية وعملية وعلمية أفضل للناس، بدلاً من التلهي بموضوعات ثانوية تشغل الناس عن القضايا المركزية في حياتهم، والقرن الواحد والعشرون يطل بتحدياته الكبرى التقنية والفنية والاقتصادية نختلف بحدة على شكل الزي الذي يلبسه الإنسان!!
كاتب كويتي
