فيما يتواصل تعثر القيادات في بلوغ اتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية موعودة، يسجل الشارع الفلسطيني نجاحات ملفتة في تطوير وسائل مواجهته مع العدوان الإسرائيلي المتواصل عليه. آخر ابتكاراته في هذا الصدد، كان إدخاله سلاح الدروع البشرية إلى ترسانته. سلاح جديد وفعال، وبلا كلفة.

وبقدر ما هو بسيط، لا يتطلب أكثر من مبادرة شجاعة، بقدر ما أثبت نجاعته وفعاليته وقدرته على ردع العدوانية الإسرائيلية المتمادية. وأهميته أنه تكرر اعتماده، عن وعي وليس بالصدفة. كما تكرر مردوده الإيجابي.

في المرة الأولى، قبل أسابيع، تصدت مئات من النسوة لقوة إسرائيلية ضربت حصاراً حول مسجد، في بيت حانون، لجأ إليه عدد من المقاتلين الفلسطينيين، خرقن صفوف الدبابات وشكلن درعاً واقية حول المسجد الأمر الذي أضطر القوة المعادية إلى الانصراف، وبالتالي تأمين السلامة للمحاصرين، وأول من أمس تكرر المشهد، عندما هددت قوة عسكرية إسرائيلية بتدمير منزل يقيم فيه أحد المقاومين، فما كان من جمع فلسطيني إلا أنه تجمع لحماية المكان بدرع بشرية أدى بالنهاية إلى تراجع القوة عن تهديدها، وبالتالي إلى انسحابها وتأمين الخلاص للفلسطيني المستهدف.

الملفت الذي يستوقف هو في هذه المفارقة الصارخة في الوضع الفلسطيني: قدرة متجددة على ابتكار وسائل التصدي المجدية، للاحتلال الإسرائيلي، وفي ذات الوقت يقابلها عجز، طال أمده، في استنباط الحلول والتسويات المطلوبة للأزمة السياسية العاصفة به، منذ عدة أشهر. المفارقة الأخرى ربما، هي ان سلاح المرأة ـ غير المسلحة ـ الفلسطينية، بات أمضى من سلاح الرجل الفلسطيني، الذي يتخبط إما بفوضى السلاح المصوب إلى غير مكانه، وإما بالحسابات الضيقة التي تسربله وتمنعه من ترميم بيته السياسي الداخلي.

وذلك يعني، فيما يعني، ان المواطن الفلسطيني سبق قياداته وتقدم عليها، سواء في تنظيم أولوياته، أو في تحديد واختيار الطرق الأفضل لصد العدوان عنه. وفي ذلك ايجابية مزدوجة.. من جهة، هو لا يترك الساحة خالية أمام الاستباحات الإسرائيلية الهمجية، ومن جهة ثانية، ربما هو يشكل عامل ضغط على القوى والقيادات السياسية كي تستعجل أمرها وتسارع إلى طي ملف الحكومة، الذي كاد ان يتحول إلى مسرحية غير سارة على الإطلاق.

لقد أخذت القصة من الوقت والجرجرة أكثر من المقبول والمعقول بكثير، صحيح ان التنافس والصراع، في العمل السياسي، هو من طبيعة العمل في هذا الميدان. وهو مشروع ومفهوم. لكن ان يتحول إلى عملية تعطيل، يؤدي إلى تمديد حصار جائر على الشعب الفلسطيني وقضيته، عندئذٍ يتحول الصراع إلى تقديم خدمة مجانية لإسرائيل وخططها وتسهيل لمشاريع انقضاضها المبيتة على القضية برمتها.

بالدروع البشرية بدأ الشعب الفلسطيني يأخذ قضايا معركته بيده، على قياداته ان تواكبه وتبادر من دون خسارة وقت إلى إقامة الدرع السياسية الواقية المتمثلة بحكومة الوحدة الوطنية التي طال انتظارها.