أزمات منطقة الشرق الأوسط الممتدة من لبنان، والمارّة على العراق، والواصلة الى إيران. اطلّت في الآخر على مأزق عام تورّطت فيه كل القوى المتصارعة وغاصت في رماله كل الاطراف وأولها الولايات المتحدة الأميركية التي لا ترى مشروعها يتعثّر فحسب بل هو قد يترنّح أصلا، ولعله لهذا السبب سارع الناخبون الاميركيون الى مبايعة الديمقراطيين، لعلّهم يتمكّنون من فعل شيء يوقف انهيارات داخلية، ويحاصر انهيارات خطيرة قد تتدحرج اليها منطقة الشرق الأوسط التي اصبحت تؤثر مباشرة في الداخل الأميركي، وبدرجة التقطها الوعي الجماعي هناك، قاطعا بذلك مع ا يشاع عن ضيق اهتماماته وعن عدم تجاوزها لجغرافية حدوده!

وقد دأب الجمهوريون عل تفسير الفوضى والانهيارات الناجمة عن سياستهم الخارجية من منطلق انها مخاضات عابرة ولعلها ضرورية، لمراحل انتقال تشهدها مناطق التدخل وانه من رحم المأساة سوف يولد الحل، ومن ظلمات الليل البهيم سوف يأتي الفجر، لكن الواقع ونتائجه اشاروا الى العكس تماما وأظهروا انه لابدّ من تغيّر حقيقي في سياسة الولايات المتحدة الاميركية تعيد للديبلوماسية الاميركية نجاعتها وللقوة العظمى قدرتها على الفعل خارج الرهان على منطق القوة لوحده، وخارج الادعاء انها تعلم عن المنطقة اكثر مما يعلم اناسها عنها.

منطق الاحداث في الشرق الأوسط اطلّ بمنطق المأزق على كل الفاعلين بالمنطقة ففي لبنان مثلا، يحتاج صراع القوى هناك الى وقفة تأمل طويلة، والى حسابات بحجم بيض النمل بعد هذا الهجوم الكاسح لحزب الله وحلفائه على قوى 14 آذار الخائفة والمرتبكة من التصعيد، ولكن خوف هذه القوى قد يتلاشى وضعفها قد يتطوّر الى قوّة اذا ما اجبرت على مواجهة «شارعية» حقيقية مع الطرف الآخر يُرتكب خلالها المحظور وتقام فيه الحجة وطنيا ودوليا عليه. ومأزق لبنان يتمثل في ان كل قواه لا تريد قطيعة وطنية نهائية تعيده الى حالته القديمة ولكن كل قواه لم تتحسس بعد الطريق الى الصراط المستقيم ولا الى المساومة الممكنة التي ترضي كل الاطراف.

نفس الشيء ينطبق على العراق الذي يريد ان يبني اغرب شكل لدولة في هذا العالم، طائفية تحافظ على وحدة ولو في شكل فيدرالي، واحزاب رئيسية دينية تتحايل على ديمقراطية لا تؤمن بها وتطرح خطابيا شكلا لعلمانية هي حلّ، لكن لا احد يؤمن به حقا وعلى حدود العراق يتشكل حول ايران منطق يجعل من هذه الدولة غير آبهة لأي تهديد مهما كان شكله ومهما كانت اطرافه، ولا شك ان الدولة التي لا تأبه اصلا لا بالاتحاد الاوروبي ولا بالولايات المتحدة لا تقوم بذلك لتحجّر في الرأس وإنما بعد قراءة واضحة لمأزق الكل. مأزق حاق باسرائىل بعد هزيمتها في لبنان وطاف حول السلطة الفلسطينية بجناحيها!

هذه الصورة المتداخلة قد لا تسهّل عملية التعايش Cohabitation بين بيت ابيض جمهوري وكونغرس ومجلس نواب ديمقراطيين، حتى يتمكّنوا كلهم من البدء في بناء سياسة بنّاءة مطلوب منها منطقيا ان تحلّ مشاكل الجميع، امريكا وخصومها وأصدقائها ايضا!