لو ان فكرة التفاوض مع الاردن بدل التفاوض مع الفلسطينيين صدرت عن مسؤول اسرائيلي غير افغدور ليبرمان الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس الوزراء لقلنا انها نوع من المغالطة واللف والدوران حول الهدف الصحيح الذي تم تحديده من قبل المجتمع الدولي وجميع الاطراف المعنية بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، والتي تجمع على ان الحل يكمن في اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة .

ولكن ان تصدر تلك التصريحات عن الرجل الذي يبدي استعداده لضرب السد العالي في مصر وقصف ايران وشن حرب على سوريا واقتحام غزة والضفة الغربية فذلك مؤشر على ان المنطلق الوحيد الذي يخطر على بال شخص يصفه الاسرائيليون انفسهم بأنه متطرف وفاشي هو زرع الشك في النفوس الضعيفة ، وفي وقت يحظى فيه الرئيس محمود عباس والسلطة الوطنية والشعب الفلسطيني بأكبر دعم سياسي ومساعدات مباشرة من الاردن ملكا وحكومة وشعبا.

لا شيء اكثر من ذلك فهو يعرف ان اليد التي يريد ان ينفضها من التعامل مع الفلسطينيين لن تجد من يصافحها في الاردن ، وحتى لو فرضنا جدلا ان امرا كهذا وارد او ممكن فهل يتصور ليبرمان ان الاردن الذي حافظ خلال المفاوضات الاردنية الاسرائيلية على المصالح الفلسطينية بصورة تامة سيكون اسهل عليه من الفلسطينيين؟

لقد اتفق الاردن مع القيادات الفلسطينية منذ اول يوم من مسيرة مدريد ان الحل يكمن في انهاء الاحتلال من جميع الاراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية وضمان حق العودة او التعويض للاجئين الفلسطينيين ، وما دام ليبرمان وحكومة اولمرت تتهرب من شروط السلام وتواصل اقامة المستوطنات وبناء الجدار غير الشرعي طبقا لقرار محكمة العدل الدولية ، فضلا عن قرارات الشرعية الدولية وتتمسك بالقدس «الموحدة» عاصمة لاسرائيل .

فلن يتحقق السلام ابدا لا مع الفلسطينيين ولا مع غيرهم ، وما لم تكف اسرائيل عن عدوانها المستمر وجرائمها ضد المدنيين في القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية فلن تجد الشريك الفلسطيني بسهولة هذا اذا كانت تريد ان تجده اصلا.

تصريحات ليبرمان تأتي في الوقت الذي تزداد فيه القناعة على نطاق واسع بضرورة عقد مؤتمر دولي جديد لحل الصراع العربي الاسرائيلي ، وتقف فيه القوى الاقليمية والدولية داعمة للجهود الرامية الى تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية في القريب العاجل ليرتفع الحصار الاقتصادي الذي يعتبر بمثابة عقاب جماعي للشعب الفلسطيني ، ومن ثم البدء بالتعامل مع البرنامج السياسي الذي ستخرج به القوى الفلسطينية مستجيبة للشروط التي حددتها اللجنة الرباعية في ثلاث نقاط هي الاعتراف باسرائيل .

والالتزام بالاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية ، ووقف الاعمال العسكرية ضد اسرائيل والتي لم يقابلها للأسف اي شروط على اسرائيل التي تعتدي على الشعب الفلسطيني وتنكر وجوده وحقوقه المشروعة تماما مثلما عبرت عن ذلك تصريحات ليبرمان نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي.

حسنا فعلت الحكومة بردها السريع من خلال الناطق الرسمي على تلك التصريحات ورفضها جملة وتفصيلا ، وتحذيرها من ان التهرب من استحقاقات السلام واستخدام القوة في التعامل مع الشعب الفلسطيني لن يؤدي الا الى مزيد من العنف ، وتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة ، ومن المهم الآن الا يعطي احد لتصريحات ليبرمان اللئيمة اي وزن او يعيرها اي اهتمام فهي صادرة عن شخص لا يؤمن بالسلام من حيث المبدأ ، ويظن بظلامية عقله انه يزرع اسفينا بين القيادتين الاردنية والفلسطينية ، وهذا كل ما في الامر.