التحول الأوروبي عن الولايات المتحدة، والابتعاد عنها أحياناً بدرجة ملموسة، كانا نتيجة مباشرة للخداع الذي مارسته إدارة بوش، والفوقية التي اعتمدتها في سياساتها الخارجية، ومن ثم الإخفاق المهين الذي حصدته جراء هذه المواقف، خاصة على صعيد المنطقة العربية.

إدارة بوش، وكما هو معروف للجميع، دفعت بعض ثمن خداعها، وفوقيتها، وإخفاقاتها وليس كل الثمن، فالآتي أعظم وفق المؤشرات البادية على أرض الواقع، ما دفع الحكومات الأوروبية التي انساقت وراء إدارة بوش أو وقفت على حياد من سياساتها إلى مراجعة مواقفها، والاستفادة من الدرس الأميركي في بلورة مواقف جديدة خاصة على صعيد الحرب على العراق، والصراع العربي ـ الإسرائيلي. ‏

وفق هذه المعطيات الجديدة جاء التحرك الأوروبي تجاه المنطقة وسورية بشكل خاص، فكانت المبادرة السلمية الثلاثية الإسبانية ـ الإيطالية ـ الفرنسية، وكانت الاتصالات والمشاورات والحوارات مع سورية التي حاول بوش بكل ثقله ونفوذه إخراجها من دائرة الفعل في القضايا العربية والإقليمية، فارتدت محاولاته كما هو بادٍ الآن ترسيخاً لدور سورية البنّاء الذي لا غنى عنه في كل ما يتعلق بقضايا المنطقة. ‏

وموقف الحكومة البريطانية الخجول نوعاً ما تجاه سورية ردّت عليه دول أوروبية فاعلة كإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا والنرويج وغيرها بتأكيد أهمية دور سورية، وضرورة التنسيق معها، لكونها الطرف الذي لابدّ منه إذا ما أريد للمنطقة الأمن والاستقرار، وإذا ما أريد لعملية السلام أن تأخذ مداها. ‏

هناك من الدول الأوروبية من قام بما يقع على عاتقه على هذا الصعيد، فأوفد المبعوثين إلى سورية، واطلع على مواقفها، وأخذ رأيها، وعبّر عن الحرص على مواصلة الاتصالات معها، وهناك من ينتظر المزيد من الإخفاقات الأميركية ليقوم بمثل هذه الاتصالات، وفي كل الأحوال يمكن التأكيد هنا أن سورية ظلت على سياساتها دون أن تخضع للضغوط أو تنحني أمام جبروت التهوّر الأميركي الذي قاده الرئيس بوش وفريقه المحافظ المنهزم في الداخل الأميركي وفي الخارج أيضاً. ‏

وهذا بالطبع لا يعني أن الأمور وصلت إلى الدرجة التي تستطيع معها سورية الاطمئنان إلى ما يحدث دون شكوك، ولاسيما أن الإدارة الأميركية لم توقف بعد هجومها على سورية، ولم تتخل عن توجيه الاتهامات إليها، فالمسؤولون الأميركيون لا يتوقفون عن إطلاق الافتراءات ضدها، وتصل بهم وقاحتهم أحياناً إلى تحميلها وزر كل مشكلات المنطقة، علماً أن الجميع في المنطقة وخارجها يدركون إلى درجة اليقين أن ما تعانيه المنطقة من احتلالات وقتل وترويع هو بسبب حروب الولايات المتحدة، ودعمها اللامحدود لرأس الإرهاب «إسرائيل»، والمسؤولون الأميركيون بدءاً من الرئيس حتى أصغر موظف في البيت الأبض يعرفون هذه الحقيقة، ولكنهم يصرّون على تجاهلها لأسباب صهيونية أهمها أن أكثرهم يوالون «إسرائيل» أكثر من ولائهم لوطنهم أميركا. ‏