عقد في نهاية الأسبوع الماضي، وفي فندق روتانا العين الملتقى الثقافي الأول برعاية وزارة الثقافة وتنمية المجتمع، وبمشاركة معالي وزير الثقافة شخصيا وعدد كبير من المثقفين من مختلف الأطياف الثقافية. في أول جلسات اللقاء والتي كانت في يوم الجمعة الموافق 10/11 تم طرح ورقتين عن واقع الثقافة ما قبل الاتحاد وما بعد الاتحاد.

الورقة الأولى كانت عبارة عن سرد تاريخي لوقائع تشكل الحركة الثقافية والعلمية؛ ومع احترامي الشديد للتاريخ ورواده على الرغم من أهمية الموضوع لمن هم بعيدون عنه أو هم ليسوا جزءاً من تشكيله، إلا أنني أعتقد أن التحديات الثقافية المتسارعة التي نواجهها اليوم لا تسمح لنا بالتجول باسترخاء في أروقة التاريخ؛

حيث إن جميع الحضور بشكل أو بآخر إن لم يكونوا مساهمين في تشكيل هذه الحركة الثقافية فهم من راصديها والمطلعين عليها بحكم وضعهم وممارساتهم الثقافية، والهم الذي يقلق مواطن ومثقف اليوم لا يحتمل السرد وعرض الديباجات التاريخية المختلفة، فالجميع كان متحفزاً للبت وطرح الأولويات المتمثلة في فهم التحديات العالمية المتسارعة التي تواجه الثقافة والمثقفين في بلدنا ووضع الآليات التي تسمح لنا بمواجهتها،

لأنها بصريح العبارة متعلقة بقضية أساسية وهي قضية وجودنا ثقافيا وإنسانيا على الساحة العالمية. الورقة الثانية، بالرغم من أنها خلت من المنهجية ومن أنها لم تتعد كونها انطباعات شخصية إلا أن مصداقيتها جاءت بالدرجة الأولى من كون مستعرضها من المشتغلين بهم الثقافة، حيث إنها ألقت الضوء على بعض التحديات الأساسية مثل قضية خلل التركيبة السكانية وتراجع اللغة العربية في المؤسسات التعليمية وغيرها من المشاكل الاجتماعية.

الجلسة الثانية دارت حول هموم المثقف في الإمارات، ولم يختلف مقدما الورقتين في هذه الجلسة حول الهموم المشتركة للمثقف والتي تتمثل في هموم الحياة المعيشية، وهم التفرغ الإبداعي، وإحساس التهميش وإبعاد المثقف عن المشاركة في صياغة القرار، والأهم من هذا كله هم الرقابة وانخفاض سقف الحرية والذي سيطر على المتحاورين وعلى ساحة الحوار؛ فلقد ركز المتحدثون في أوراقهم على الحرية الفكرية بكافة أشكالها،

وأثنى الحضور أثناء النقاش على أهميتها وعلى أنه لا إبداع فكرياً أو سلوكياً يمكن أن ينمو أو يترعرع من دون حرية. لم يختلف المشاركون برغم اختلاف مجالات إبداعهم على أهمية الحرية، وعلى الرؤية الضبابية وغير المحددة المحيطة بهذا المفهوم وتطبيقه. فبينما تمنع بعض وسائل إعلامنا المحلية تناول مواضيع بعينها، نجد وسائل محلية أخرى تتناول هذه المواضيع وبمنتهى الإسهاب، مما يجعل الواحد منا يتساءل حول سقف الحرية المتاح،

وحول ما إذا كان انخفاض هذا السقف متعلقاً بقوانين وتعليمات عليا محددة أو هو في الحقيقة، وهذا في اعتقادي هو الأصح، متعلق بخوف يسكن من يرأس تلك الوسيلة الإعلامية وبالتالي يعتقد أن خفض سقف الحرية ومبدأ «سير بعيد وتعال سالم» هما الوسيلة الأمثل لحماية نفسه ومؤسسته، أو قد يكون، من الجهة الأخرى، خوف يسكن المبدع نفسه لأسباب مختلفة. والسؤال الملح هنا هو من أين يأتي هذا الخوف والقيادة السياسية تؤكد باستمرار على ضرورة صون حرية التعبير وتشجيعها؟

إن حرية التعبير كانت وما زالت مطلبا وغاية يسعى إليها كل آدمي فطر على الحرية بقرار إلهي «ولقد كرمنا بني آدم»، فهي مطلب وحق ذو قدسية خاصة، ومن دونها لن يكون هناك إبداع، وإن وجد فإنه سيكون إبداعاً منقوصاً، أو مبتوراً وغير مكتمل، ومن دون الحرية ستبقى حركة التقدم دائما معطلة، وستبقى المحاولات الإبداعية كلها ذات لون وطعم واحد وباهتة الحضور والتأثير.

ولعل في موقف عنترة بن شداد في حرب داحس والغبراء عبرة قد نستفيد منها، فعندما قال شداد لابنه عنترة، عندما أحكمت الحرب دوائرها على بني عبس: «ويلك عنترة كرّ» فأجاب العبد الأسود: «إن العبد لا يحسن الكرّ والفر». فقال له والده الذي كان، حتى ذلك التاريخ، يرفض الاعتراف بابنه الأسود: «كر وأنت حر»؛ عند ذلك انقض عنترة على العدو، غير مبالٍ بالموت، حتى رد الأعداء عن قومه،

وأصبح منذ ذلك الوقت فارس بني عبس والبطل الشعبي الذي مازالت سيرته تتلى وتدرس. إحساس الحرية أعطى عنترة القوة والجرأة التي قادت قبيلته للنصر والعزة. فمتى ستتحقق لنا هذه الحرية حتى نكون من المنتصرين والفائزين ونقود دولنا للأمام والتقدم.

الجلسة الثالثة والأخيرة في الملتقى الثقافي أججت الجرح الغائر وحركت كثيراً من مشاعر القلق والخوف التي أصبحت ملازمة لكل لبيب واع وقارئ للأوضاع من حوله، لأنها كانت تدور حول الهوية الوطنية، تلك الهوية التي جميعنا ومن دون استثناء يسكننا خوف تلاشيها في وسط هذا البحر الهادر من الغرباء الذين يستوطنون أرضنا الطيبة. ولأن الجلسة تدور حول الهوية احتلت قضية التركيبة السكانية وقضية اللغة العربية المراتب الأولى.

إن خلل التركيبة قضية تداولها المثقفون منذ الثمانينات وحذروا من مخاطرها وتداعياتها وهي مازالت في طور إمكانية التحكم فيها، ولكن اليوم وفي هذه المرحلة التاريخية أصبحت هذه القضية خارجة عن إمكانية الضبط بكثير حيث تضاعفت أعداد الغرباء وازداد تمكنهم الاقتصادي؛ كذلك فإن اللغة العربية التي نادينا كثيراً بصونها وكتبنا الكثير في ذلك ولكننا لا نشعر أو نلمس استجابة لكل هذه النداءات.

إذ، كيف لنا أن نتكلم عن حماية الهوية ومن يحمي هذه الهوية متناقصين في أعدادهم، في مقابل أعداد الآخر التي هي دائما في حالة تزايد لأن الأبواب كلها مشرعة لهم ومن دون حراس؟ كيف لنا أن نتكلم عن الهوية وعمادة الهوية الأولى «اللغة العربية» تدحر من قبل أبنائها وفي مؤسساتنا التعليمية الوطنية التي من المفترض منها أن تكون الفاعلة الأولى لتعزيز وتثبيت هذه الهوية؟

كل هذه الحوارات والنقاشات دارت في هذا الملتقى الذي توج بزيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي وحواره مع المشاركين في الملتقى، ذلك الحوار الذي اتسم بالبساطة والتلقائية والشفافية، والذي تضمن في الوقت ذاته دعوة للحوار الدائم بين المثقف والسلطة، حيث طلب سموه من معالي وزير الثقافة أن يكرر مثل هذه اللقاءات بشكل دوري أو متى ما اقتضت الحاجة.

لقد كان حضور سموه مهما وذا قيمة عالية لأنه يمهد لإمكانية مد جسور الحوار والتشاور بين القيادة ومن يشكلون نخبة المجتمع، فالهم مشترك ونحن جميعا قيادة وشعبا نقف في جبهة واحدة ونواجه تحديات واحدة، والحوار المشترك أحد آلياتنا المهمة في عملية الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه.

في النهاية، لقد كان الملتقى فرصة رائعة لتجمع هذا العدد من المثقفين والذين نادرا ما يجتمعون بهذه الطريقة ويتداولون همومهم بهذه الشفافية والحرية، غير أنه في نفس الوقت عمق الهم، فلم يختلف أحد من المشاركين على حجم المخاطر الداخلية والخارجية التي تواجهنا والتي هي بشكل أو بآخر تهدد وجودنا كشعب.

جامعة الامارات

albaharm@yahoo.com