واثقة من إيمان المشاهدين بقدراتها الخارقة وقواها الخفية، تجلس «أم وائل» أمام الكاميرا تتلقى الاتصالات الهاتفية من جمهورها الذي تشكل النساء 9,99% منه. تتصل المشاهدة التي تعطي المذيعة اسمها واسم زوجها (تحت الهواء). الزوج في الأربعين من عمره وهي في الحادية والثلاثين.

تسأل المتصلة «أم وائل» عن أشياء تنصح بفعلها لتوسعة الرزق، ثم تطلب نصيحة طبية لعلاج ألم في الظهر ووجع في المعدة، وتشكو إليها أخيرا ابنها الصغير الشقي كثير الحركة. تعدل «أم وائل» من جلستها، ثم تتأمل في حوض الماء الشفاف الصغير الذي تضعه على يمينها حيث يبدو أنها تقرأ شيئا. تمر لحظات من الصمت تدوّن خلالها «أم وائل» ملاحظات لا نراها نحن معشر المشاهدين على ورقة أمامها، ثم تنطلق لتقدم الحلول الناجعة لمشاكل المشاهدة المالية والصحية والتربوية.

(لا تهدي من تحب. إن الله يهدي من يشاء). بهذه الآية القرآنية التي تخطئ في قراءتها تبدأ «أم وائل» حديثها. ولا تملك المذيعة الجالسة على يسارها لتلقي اتصالات المشاهدين الجرأة ولا المعرفة لتصحيح الآية الكريمة (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء). بعد ذلك تستهل نصائحها قائلة: «زوجك رجل طيب وأنت ست طيبة» وتواصل مؤكدة للمشاهدة المتصلة أن تحسنا في عمل زوجها والوصول إلى الرزق سيحدث إذا اتبعت النصائح التالية:

اذكري الله (وإنّ بذكر الله تطمئن القلوب). هكذا تنطق «أم وائل» الآية القرآنية الكريمة خطأ. وصحتها (ألا بذكر الله تطمئن القلوب). قراءة الآيات التالية: الآية رقم 7 من سورة الطلاق - الآية رقم 114 من سورة المائدة - الآية رقم 10 من سورة الأعراف - الآية رقم 20 من سورة الحجر - آية الكرسي - سورة الضحى - دعاء (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون).

للحد من شقاوة الولد المدلل كثيرا من قبل والديه لأنه وحيد: قراءة سورة الزلزلة والآيتين رقم 16 و17 من سورة الكهف في عصير برتقال أو أي نوع آخر من أنواع العصير وإسقائه إياه . لمعالجة ألم المعدة: تحضر حبة بطاطس في حجم البرتقالة، تقوم بتقشيرها ثم بشرها وشرب الماء الذي سيتولد من عملية البشر على الريق لمدة ثلاثة أيام، وسيتم الشفاء بإذن الله تعالى.

لمعالجة أوجاع الظهر: تقوم بتدليك الظهر بطريقة تشرحها لها، وذلك مرة واحدة في الأسبوع لمدة ثلاثة أسابيع. وتقوم بالتمدد على ظهرها ورفع رجليها وتحريكهما كما لو أنها تركب دراجة هوائية، بالإضافة إلى ممارسة بعض التمارين الخاصة بسلسلة الظهر. وأخيرا تنصحها بأن تأكل حبة واحدة من الثوم يوميا لأنها تعطي نشاطا وترفع من نسبة الذكاء.

بهذا تكون «أم وائل» قد تمكنت من حل كل مشاكل المشاهدة المالية والصحية والتربوية دون الحاجة إلى اللجوء للأطباء والأخصائيين النفسيين ولا بذل المزيد من الجهد لتحسين دخل زوجها المادي. تنتهي «أم وائل» من هذا الاتصال لتستقبل اتصالا آخر من مشاهدة تقول إنها قد نصحتها قبل شهر ونصف بقراءة آيات معينة لحصول «القسمة والنصيب» والوصول إلى العريس المناسب، لكن شيئا من هذا لم يحدث بعد انقضاء المدة التي حددتها لها.

تضحك «أم وائل» من الأعماق وتقول وهي تنظر في الورقة التي أمامها: (لكنك توقفت عن قراءة الآيات بعد 13 يوما فقط، ولم تنتظمي في القراءة كما طلبت منك. هذا هو ما أراه أمامي الآن). تتردد المشاهدة في الاعتراف بذلك فتصر «أم وائل» على ما تقول مؤكدة لها أن الاعتراف بالخطأ فضيلة وأنها سوف تسامحها لأنها اعترفت بخطئها، وتقدم لها وصفة لا نعرف إن كانت جديدة أم أنها الوصفة السابقة نفسها، ثم تنهي كلامها قائلة: (ألف ألف مبروك. سوف تتم الخطوبة خلال أسابيع. العريس صار على الطريق).

يحدث هذا على إحدى القنوات الفضائية العربية التي لم يعد بالإمكان إحصاء عددها. وعلى قناة أخرى يطالعنا «أبوعلي» في بدلته السوداء وشعره المفروق من النصف متهيئا لتلقي اتصالات المشاهدين وتقديم النصح والمشورة لهم وعمل «الأحجبة» الطاردة للجن وأعمال السحرة، فيبدأ باستعراض مهاراته العلاجية وقدراته الخارقة قائلا إن طبيبا قد أحضر له ابنه المريض ليعالجه بعد أن عجز الأطباء عن علاجه، لكنه لا يجرؤ على المجاهرة بهذا الاعتراف.

ثم يذكر لنا حكاية بنت جاء بها إليه أهلها كي يعالجها من شلل أصاب نصف وجهها بعد أن عجز الطب أيضا عن علاجها فشفيت بمجرد أن وضع يده على الجزء المشلول من الوجه! تسأله المذيعة التي يقتصر دورها على استقبال اتصالات الجمهور عن السر في ذلك فيجيبها بأن المسألة ليست مسألة طب ومستشفيات، وإنما هو الجن الذي كان ممسكا بها فأقسم عليه كي يتركها.

بعد ذلك تتصل مشاهدة تسأل عن حالتها الصحية بعد أن تذكر اسمها واسم أمها، وهذا شرط مشترك لدى جميع المعالجين من الجن والسحر وكل الأمراض التي يعجز عن علاجها الطب الحديث. نمرّ بفترة الصمت نفسها التي مررنا بها مع «أم وائل» حيث يقوم «أبوعلي» بتدوين ملاحظات لا نراها على ورقة أمامه ولكن دون النظر في حوض ماء هنا، ثم يشخص حالة المشاهدة المتصلة على الهواء مباشرة قائلا: أنت مريضة.

لديك اضطراب في الهرمونات، وتعانين من الغدة الليمفاوية في أسفل الرقبة. ثم يكمل ليخفف عليها الصدمة: من المستحيل أن يعرف الأطباء ذلك لأن الطبيب لا يستطيع أن يقول إنه لا يعرف، ولذلك فهو يعطيك وصفة ويطلب منك أن تصرفيها من الصيدلاني الذي يكون قد اتفق معه. أما علاجك فهو كالتالي:

خذي شيئا من السدر والكافور والياس (مجموعة من الأعشاب). اخلطيها واقرأي عليها سورة يس 3 مرات، وسورة طه مرة واحدة، والفاتحة 71 مرة، وآية الكرسي 7 مرات، والمعوذتين 7 مرات. بعد ذلك قومي بالاستحمام بجزء من هذه الخلطة ثلاث مرات في الأسبوع قبل الزوال. وامزجي مقدار ملعقة شاي منها في كوب ماء واشربيه. ثم وعد بإعطائها طلسما تتبخر به وتزويدها بحجاب تلبسه. ولم يفوت «أبوعلي» أيضا فرصة الاستشهاد بعدد من الآيات القرآنية التي لحن في بعضها وأخطأ في قراءة بعضها الآخر.

تُرى أي مؤامرة هذه التي تحاك لتدمير ما تبقى من العقل العربي، إن كان ثمة عقل عربي قد تبقى؟ ومن هو الذي من مصلحته أن يقضي على البقية الباقية من العقلاء إن كان ما زال ثمة عقلاء بيننا؟ نعم إنها مؤامرة، حتى لو رفض هذا المنطق أولئك الذين يتهموننا دائما بأننا أسرى «نظرية المؤامرة».

وإلا فماذا نسمي هذا الذي يحدث لأمتنا بفعل فاعل؟ وبماذا نبرر هذا التغييب التام للعقل والعلم والمنطق؟ وكيف نفسر محاولة التسلل إلى عقائدنا من باب العلاج بالقرآن الذي لا يتقن قراءته هؤلاء الذين يدّعون أنهم يعالجوننا به؟ ربما كانت هذه القنوات التي أخذت تتكاثر في الآونة الأخيرة مشاريع تجارية مربحة لمن يطلق كل يوم واحدة منها، وهي بالفعل كذلك. ولكن ألا يجب أن نسأل: من يقف خلف هذه المشاريع؟ ثم ألا يجب أن نتحرى عن ما هو أبعد من الربح والتجارة؟ أليس ما تسلبه هذه القنوات من عقول المشاهدين العرب أكبر وأثمن كثيرا من ذلك الذي تسلبه من جيوبهم؟

كم كنا نتمنى لو أن معركتنا ظلت محصورة في قنوات اللهو والترفيه فقط، إذن لكنا نخوضها مع من يحارب القيم والأخلاق فقط. لكننا اليوم أمام مواجهة حقيقية مع من يغيّب العلم والعقل تماما، ويهدم العقيدة ويحارب الدين باسم الدين الذي يدعي أنه يعالج به. فهل نتصدى لهذه القنوات قبل أن يستشري داؤها، ويستفحل خطرها، ويسيطر على عقول أمتنا المشعوذون وصانعو الأحجبة وقارئو الفناجين والكفوف وضاربو الودع، كي لا نعود بعد فوات الأوان نضرب كفا بكف؟

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com