مسرحية محاكمة صدام حسين لا تزال فصولها تتوالى. فبعد أن أعلنت المحكمة إدانة المتهم مع إبلاغه بأنه قد حكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت فإنها لا تزال حتى الآن تماطل في إبلاغه بالأسباب التي استندت إليها في إصدار الإدانة والحكم.
ورغم أن القانون الذي بموجبه جرت المحاكمة يتيح لهيئة الدفاع عن المتهم استئناف الحكم إلى محكمة أعلى، فإن الدفاع لا يستطيع الآن عملياً تحضير قضية الاستئناف.. إذ كيف يبني دفوعاً قانونية على حيثيات قضائية غير موجودة.. أو هي موجودة لكنها غير منشورة؟
فريق الدفاع يجد نفسه الآن في حالة سباق مع الزمن. فبينما ينص القانون العراقي على مهلة مقدارها 30 يوماً للاستئناف، فانه مضى حتى الآن نصفها ـ 14 يوماً بالتحديد ـ دون أن تستجيب المحكمة لطلباته المتكررة بأن يعطى نسخة من نص حيثيات الحكم حتى يستطيع الشروع في إعداد الرد القانوني عليها.
ويذكر أن أعضاء فريق الدفاع ـ ومن بينهم المحامي الأميركي المخضرم رامزي كلارك ـ لم يشككوا في شرعية المحاكمة فحسب، باعتبار أنها باشرت مهمتها في ظل احتلال أجنبي وبموجب قانون صادر عن رئيس السلطة الاحتلالية السابق في العراق بول بريمر، بل أعلنوا أيضاً أن سلطة الاحتلال الأميركي وضعت مسبقاً سيناريو جاهزاً للمحاكمة بما في ذلك الحكم بالإعدام.
وأغلب الظن أن رفض هيئة المحكمة نشر نص حيثياتها لأنها تخشى انفضاح التلفيقات والحجج القانونية الواهية التي بنيت عليها هذه الحيثيات، ولهذا نفهم لجوءها إلى المماطلة في تسليم نسخة من النص إلى هيئة الدفاع من أجل إضاعة الوقت عمداً إلى أن ينقضي الموعد النهائي المحدد للاستئناف.
ومن بين وسائل المماطلة ما يمكن أن يدخل في باب الفكاهة السوداء. فالقاضي يقول في تبرير رفضه تسليم الدفاع نسخة من الحيثيات: إن الإجراءات القانونية «المعمول بها» في العراق المحتل تتطلب من أعضاء فريق الدفاع الذهاب بأنفسهم إلى مقر المحكمة، ولكي يفعلوا ذلك فان الإجراءات تلزمهم أولاً بطلب «مرافقين» أمنيين «حفاظاً على حياتهم» على أن يكون هؤلاء المرافقون من جنود الاحتلال الأميركي!
وإذا استعدنا إلى الأذهان أن ثلاثة من محامي الدفاع قتلوا أثناء سير المحاكمة، فإننا نستطيع دون عناء أن نتخيل كيف يمكن أن يدبر «المرافقون» الأميركيون »حادثاً عرضياً» للتخلص ممن بقوا من المحامين. لكن ربما يكون ما هو أدعى إلى التفكه ما ورد على لسان المدعي العام في المحاكمة جعفر الموسوي. فقد قال: إن طباعة الحيثيات «متعذرة» بالنظر إلى أن النص يتكون من مئات الصفحات.. لذا «سنحاول» نشرها على موقع المحكمة في الانترنت!
ربما تنشر الحيثيات فعلاً على الانترنت.. وبذلك يقوم فريق الدفاع بتحضير مذكرته لرفعها إلى محكمة الاستئناف قبل انقضاء المهلة الوقتية المحددة. لكن ماذا لو قال قاضي الاستئناف: إن نسخة الحيثيات المنشورة لا تعد وثيقة قانونية معتمدة، وبالتالي يرفض مذكرة الدفاع ومن ثم إغلاق ملف قضية صدام؟