تأخر جداً رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، في النطق بالحقيقة؛ عن حرب العراق. وكذلك تأخرت الوزيرة رايس في الاعتراف غير المباشر ـ طبعاً من غير ان تريد ذلك ـ بان تلك الحرب تسببت في تهديد مستقبل البلد وأصحابه؛ عندما حذرت من مغبة «الاستسلام للتوترات العرقية والطائفية التي تمزق المجتمع العراقي».

لكن مع ذلك، الاعتراف بالخطأ «فضيلة»؛ كما يقال. بيد أنها تبقى فضيلة منقوصة إذا لم تقترن بما يترتب عليها من فعل تصحيحي لاستدراك الأمور. أو على الأقل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في العراق المنكوب. وإلا بقيت المصارحة ـ ولو بالمواربة ـ محاولة لتنفيس الضغوط ولقطع الطريق، بالتالي، على المزيد من الإدانات لسياسة واشنطن ولندن إزاء العراق. وبالتحديد لرفضهما حتى الآن تحديد سقف زمني ولو تقريبي، لانسحاب القوات المحتلة منه.

الوزير البريطاني الأول، أقر علنا بأن اجتياح العراق كان «كارثة» ،جاء ذلك في سياق مقابلة تلفزيونية، عندما أكد في رده على سؤال بأنها «نعم كانت كذلك». إقراره احدث ضجة واسعة؛ باعتبار انه لم يسبق له ولا لأي من رموز تلك الحرب أن نطق بشأنها، بمثل هذه الصراحة. وأيضا لان تأكيده قرأ فيه البعض، إشارة أولية تمهيدية لحصول تحولات في الموقف، تجاه العراق لاسيما وان كلاماً كثيراً لا يزال يتواتر، حول تغييرات مرتقبة في أعقاب الكشف عن تقرير لجنة بيكر؛ في مطلع الشهر المقبل.

المتحدث باسم بلير حاول الاستدراك قائلا إنها كانت «زلة لسان» إلا أن ذلك لم يقلل من أهمية ملاحظته؛ ولا من جديتها. على العكس؛ ربما كانت شجاعة منه أن يقولها صراحة. وهو في أية حال، لم يأت بجديد. الحرب، لم يعد خافيا على أحد أنها كانت كارثة.. مفتوحة على كوارث.

الوزيرة رايس، هي الأخرى، وضعت تسليمها بالمخاطر القاتلة التي جاءت بها الحرب، في زي التنبيه من عواقب الاقتتال الفئوي الدائر. وقد اعترفت بإراقة الدماء في العراق. ربما نسي بلير ـ أو أنه تناسى؟ ـ بأنه كان أحد مهندسي تلك الحرب؛ وواحدا من أشد المتحمسين لها والمدافعين عنها. كما نسيت الوزيرة ـ أو أنها تناست، لا فرق! ـ بأن التوترات العرقية والطائفية، لم تبلغ نقطة التمزق الراهن وتهدد بالمزيد من التمزيق؛ إلا بعد أن عمل الاحتلال على ترسيخ الانقسامات، من خلال أنظمة المحاصصة الانتخابية والسياسية؛ التي أقامها وحرص على تعزيزها.

مثل هذه الاعترافات كانت مطلوبة. وهي مقبولة، لأنها تضع النقاط على الحروف. لكن أن يأتي إعلانها لمجرد الإعلان، شيء؛ وأن يأتي كخطوة أولى تسبق تقويم الخطأ ـ بل الخطيئة ـ الذي ارتكب بحق العراق شيء آخر. إذا كان الأول هو المقصود؛ فإن الاعتراف عندئذ وعدمه، سيان. لا يقدم ولا يؤخر. إذا كان في الجعبة من جديد لينطلق على قاعدة هذا الكلام، على الأقل لتحجيم الخسائر ووقف النزف والتفكيك؛ فعلى واشنطن ولندن عندئذ الإسراع في العمل الوقت ليس للمناورة.

ولا يتسع لبيع الكلام من أجل تسجيل نقاط سياسية. الاحتلال تسبب في نكبة كارثية للعراق. وها هم لا ينكرون ذلك. وعليهم مواجهة المساءلة والمسؤولين، عن التدمير الذي جلبته الحرب ـ الخطيئة على العراق.