اختارت شركة ملابس الأطفال الإيطالية المعروفة «بينتون» شعارها القائل بالألوان المتحدة، وهي في إعلاناتها تأتي بأطفال من مختلف الأعراق لتأكد هذا التنوع الإثني والاتحاد الكوني، والذي لا يمكن أن يقوم على لون واحد وعرق واحد وفكر واحد أو أن يقوم على دين أو مذهب واحد. فالخالق قد خلق كل هؤلاء الناس من شعوب وقبائل مختلفة وعليهم أن يتعارفوا ويقبلوا فيما بينهم العيش المشترك بما يعني ذلك من اختلاف في العرق والدين والفكر والجنس.
إن دعوة التعدد هذه يفترض أن تجسدها العملية الديمقراطية من حيث القبول بالآخر وأن يكون هذا الآخر شريكا أصيلا في صناعة القرار الذي لا يمكن أن يكون مهيمنا عليه، أي القرار، من جنس أو عرق أو فكر أو دين دون الآخرين. وقد طفت طيلة الأيام الماضية بعضاً من الخيم الانتخابية للتعرف على أصحابها وكذا خطابهم أو خطاب القائمين عليها والمترشحين ضمن قوائمها المنتظمة والمستقلة.
وقد استرعى انتباهي هذا الاختلاف الواضح بين الخيم الانتخابية الكثيرة وإذا كان بعضها متواضع الإمكانات والحضور فإن بعضها الآخر أشبه ما يكون بخيم الخمس نجوم. وبعض هذه الخيم ترى فيها من تعرفه أو من كنت تعرفه إلا أن في بعضها الآخر تقابل أناساً ووجوهاً جديدة. والخيم تُقسم طبقيا كما أنها تُقسم مذهبيا وأيديولوجيا. فهناك خيم مختلطة تضم السنة والشيعة وهناك خيم إما أن تضم شيعة أو سنة حتى ولو كانت في دوائر مختلطة. وهناك الخيم التي تضم في جلها المعارضة وأخرى تضم في جلها الموالاة.
ويتصدر افتتاح خيم الخمس نجوم الوجهاء وبعض من النواب ولربما الشوريين السابقين، ولربما اللاحقين، كما هو بعض من رؤساء الجمعيات السياسية كل وموقعه السياسي والاجتماعي. وبالمقابل هناك خيم أخرى، لا تعرف متى تم افتتاحها ولربما إغلاقها، بل إنك لا تعرف، بمن فيهم سكان الحي والدائرة المعنية، مكان نصبها.
وقد مررت باحدى الخيم التي لم يتواجد فيها غير الخادم الآسيوي الذي قال مناديا «حجي تعال يشرب جاي» والتي بدت أنها لا تقدم غير الشاي ولربما الماء، أي أنها بدت خيمة مترشح «حافي ومنتف» ولربما «مكفخ». كما أن هناك الخيم المختلطة الإثنيات والمذاهب والأعراق والاتجاهات وهناك الخيم المغلقة على اللون الواحد.
وإذا ما كانت بعض الدوائر الانتخابية قد حسمت أمرها بلون واحد لأسباب كثيرة ومتعددة، فإن بعضها الآخر لا يبدو الأمر فيها كذلك.. وهناك بعض من المترشحين لم ينصبوا لهم خيماً رغم أن إعلاناتهم الكبيرة باتت «تطز» العين. والخيم نوعان فاخرة ومكيفة ولها مولداتها الكهربائية الخاصة بها، كما أن هناك خيماً تم توصيل الكهرباء لها من جيرانها الأقرب.
الخيمة التي نحن بصدد الحديث عنها بدت فاخرة كعشائها الفاخر ذي النجوم الخمس، والذي لم يكذب «مسج» المرشح فيه. فالأكل في العلم الاجتماعي قد يكون فرصة للحديث أو في تليين «الرؤوس» والمواقف والاتجاهات: «ومن يُنفخُ بطنه يُتخنُ رأسه». وتقليديا مثل الأكل لأصحابه دلالة حب ومودة، عسى من حضر وليمة عشاء النائب أو المترشح أن يتذكر ذلك يوم الامتحان حيث يكرم المرء أو يهان.
وبعض هذه الولائم الانتخابية يحضرها القاصي والداني ومن له علاقة بالدائرة ذاتها ومن ليس له ذلك، حتى أنك قد تجد من بين الحضور عمالة آسيوية أومن يسمون «بالفري فيزا»، وخلت في أحد الخيم من كثرة العمالة الآسيوية فيها وبعض العمالة العربية غير الماهرة، بأننا في مأدبة «إفطار صائم» وليس في عشاء انتخابي.
وبعد أن انتهى فاصل الكلمات، الذي تفاوت من حيث المضمون والمستوى، تقاطر الحضور على خيمة الأكل الفاخر كلٌ بما تحوش يده ويملأ فاه. وقبل إعلان افتتاح خيمة الأكل كانت هنا بعض التعليقات التي تأتي من البطون الجائعة معلنة نفاد صبرها: فرائحة الأكل تعمل في الرأس فعلها غير العادي.
بل مررت بخيمة تقاطر الحضور على منصتي الشاورما قبل أن ينتهي برنامج الكلمات، بل إنه في الوقت الذي بدت بعض الكلمات تفصل فيما يقال عن «إخفاقات الحكومة» في حل «مشكلات الإسكان والعمل» بدا الحضور منشغلا بسندوتشات الشاورما والكباب والكبدة. وبدت لي في إحدى المرات رائحة الشواء الصادرة من إحدى هذه الخيم مغرية مشهية على الأكل، أعان الله الجيران الذين باتوا يعانون من فوضى الكلمات والخطب ومن روائح الأكل المنبعثة منها.
ولأنني في الغالب لست من عشاق الولائم المسائية الدسمة و«عشيات» الليل، ألتفت يمينا وشمالا أبحث في سمات وقواسم من حضر من هذه الجموع الحاشدة في هذه الخيمة التي بدت مكتظة بمدعويها وأصحابها الذين جاءوا إليها من كل صوب وحدب، لنستكشف بعضا من سماتهم وقواسمهم الاجتماعية.
وما لفت انتباهي في هذا اليوم الافتتاحي أن جل الحضور كان من لون واحد من نواح عدة، رغم غنى البعض ومحدودية غنى البعض الآخر ورغم أن البعض من هؤلاء قد منّ الله عليه وأغناه بغنى وافر وآخر نسبي. ولكلٍ من هؤلاء مقاعدهم ومراتبهم: فعليّة القوم تصدروا «الجلسة»، إلا أن من كان في آخرها ليس بالضرورة هو من أسفلها.
وانتابتني حينها حالة ظنون وأنا أنظر للوجوه والقواسم والملامح، وشعرت أنني قد أخطأت خيمة «نائب الشعب» ودخلت «مضارب» ممثل أو مرشح القبيلة، أي ليس القبيلة بالمعنى المباشر لها، وإنما من حيث مضامينها الاجتماعية والسياسية الواسعة. فكل هذه الوجوه التي أمامي، كانت ذات لون واحد، لا تبدو الاختلافات فيما بينها جوهرية أو أساسية.
فهم في جلهم من الطبقة الوسطى الجديدة بشرائحها المختلفة وما هو أدنى من ذلك، ورغم أنهم من الذكور إلا أن جلهم ذكوري الثقافة والنشأة الثقافية، ككل الناس في مجتمعاتنا العربية، ولم أر عباءة نسوية أو أسمع صوتاً نسوياً، والذي عرفته بعد ذلك أن مرشحنا هو من الذين صوتوا مع قانون الحشمة المعروف وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..الخ. فبالتالي جاءت خيمته متسقة مع أطروحاته أو أنه بدا لي على الأقل مبدئي الطرح.
ثم بحثت عن برنامج المترشح الانتخابي إلا أنني لم أجد فيه غير يافطات عامة لا تغني الناخب ولا تعطي سمنا ولا عسلا. كالقول مثلاً «انتخبوا مرشح الدائرة صاحب الإنجازات العظيمة والمواقف الراسخة» أو القول «سكن وعمل لكل مواطن» أو يافطة أخرى تقول «قوة في المعارضة وهدوء في المعالجة» أو «انتخبوا التغيير»!! أو «انتخبوا ابن الدائرة البار»!! أو «الوفاء من طبعي» أو «ان أبوابي ستكون مفتوحة» أو «تنمية لا محدودة»..
وبعض المرشحين وضع نسبا لإنجازاته البرلمانية السابقة وصورة كبيرة له تأخذ أكثر من ثلث اليافطة الإعلانية، إلا أن بعض هذه اليافطات حملت صورا للمرشح ودائرته دون كلام مصاحب، وبعضها قد حرم الصور فاختفى طالعهُ عنها، ورغم أن قائمة مرشحي إحدى الجمعيات السياسية تبنت مقاسات موحدة ليافطات مرشحيها، إلا أن أحدهم شذ عن ذلك ونصب له يافطة إعلانية كبيرة بدا فيها وسيما ومبتسما وأفنديا.. بل أن أحد المترشحين قد علق يافطة كبيرة تعلن مبايعة أهالي الدائرة لترشيحه وهم منها براء. وبدت هذه الإعلانات في جلها أقرب للقول الشعبي: «من له حيلة فليحتل».
وخلت في نفسي، ان ما لم أجده في أجندة هؤلاء يمكن أن أجده في برنامج محاضراتهم، إن كان لهم برنامجا ثقافيا في هذه المرحلة، علني أجد شيئا ذا علاقة بالعصر ومشكلاته: وقلت إن هذا النائب المخضرم الذي ملأ الدنيا صراخا ولم تخل جريدة محلية وملصقات جدارية من صوره بابتسامته العريضة ذات الإيحاءات والمضامين المتعددة، أحيانا حاملاً بين أصابع يده قلما من ماركة «بونت» وأحيانا محركاً أصابعه ككل المتحدثين الشرقيين الذين تعينهم حركة اليد وأصابعها في التعبير عن الذات، ومرة بدت عيناه رائبة وفاه نصف مفتوح وأخرى مغلقا فاه وعيناه توحيان بالشدة.
ومرة أخرى قلت إن مرشحنا سيتحدث في قضايا الاقتصاد وبدائل المستقبل، أو فيما يتعلق بتطوير قطاعاته أو إن موضوعاً مثل إصلاح التعليم ومعضلات التعليم العالي سيكون ضمن اهتماماته في المرحلة القادمة أو إنه سيبحث في قضايا ومشكلات البطالة والفقر ولم يأت على بالي فكرة محاضرة في الفساد والدور المحاسبي للمجلس، لأن مثل ذلك لا بد أن نكون ضمن برنامجه الانتخابي، فهو المرشح الذي طالب بكشف حسابات المسؤولين الكبار في الدولة قبل تقلدهم المنصب الرسمي وبعده، إلا أن كل ذلك لم أجده حتى كتابة هذه الكلمات.
وما هالني أن بعضا من هؤلاء المترشحين باتوا «يغشو» من بعضهم البعض. فإذا ما قال أحدهم قولا زاد إليه أو بالأحرى زايد عليه المترشح الآخر ليبدو سياق خطابه متماشيا مع الحالة الانتخابية وإذا ما وجد البعض عند البعض الآخر برنامجا انتخابيا سمينا «غش» منه بعض بنوده: تمشيا مع القول الشائع «إن الطريق إلى النجاح هو الغش» ونحن نقول لهم إن: «من غشنا فليس منا». ولنا عودة قادمة للكتابة عن خيمة أخرى ذات ألوان متعددة أو بالأحرى خيمة «بنتونية» (نسبة إلى بنتون) النزعة والتوجه. والله من وراء القصد.
كاتب بحريني