تتعرض العروبة.. دما وأرضا وقومية لهجمات متعددة الأهداف والنوايا ومن أكثر من جانب. ولعل أكثرها شراسة وخطورة ما يحاك ضدها من الداخل. فمنذ سقوط دولة الخلافة العثمانية وتقاسم ارثها بين المنتصرين في الحرب العالمية الأولى ووعد «بلفور» الذي أباح، فيما بعد، اغتصاب أرض فلسطين لزرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي ومن ثم تأسيسه والاعتراف بالدولة اليهودية في الأمم المتحدة، مرورا بالعدوان الثلاثي على مصر الذي شنته بريطانيا وفرنسا بالتعاون مع إسرائيل..
منذ ذلك والغرب ممثلا في الدول الثلاث: الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وبدرجة أقل فرنسا، لم يتوقف عن تقطيع أوصال الأمة العربية سراً كان أم علناً. وإذا أخذنا هذه الأحداث وتمعنا في مدلولاتها يتضح لنا أنها موجهة نحو تحقيق هدف واحد: منع الشعوب العربية من السعي نحو إقامة تكامل سياسي واقتصادي واجتماعي أو أي تطلع آخر لتوحيد الأمة العربية تحت مظلة واحدة بغض النظر عن الشكل. ولعل التراجع الذي تشهده جامعة الدول العربية في خطابها الوحدوي والتخلي عن الأهداف التي تأسست من اجلها ما يؤكد الحالة التي آل إليها الحال.
هذا الكلام لا يندرج تحت بند «نظرية المؤامرة» التي عادة ما يلوح بها في وجه كل صوت يحذر من أننا فعلا مستهدفون وعلى أكثر من صعيد! ولعل ما يجري الآن في العراق والسودان، ودول عربية أخرى في قائمة الانتظار، يؤكد أن الوطن العربي يمر بمرحلة أخرى من مراحل التفتيت.
النوايا الأميركية لإعادة رسم خارطة العالم العربي وفق ما يخدم مصالحها ليس سراً. هذه المصالح تندرج تحت عنوانين رئيسيين: تدفق النفط بكميات تراعي الاستهلاك الأميركي وبأسعار تتفق مع استراتيجياتها الاقتصادية، وفرض إسرائيل على الواقع العربي وتطبيع علاقتها بجيرانها وحفظ أمنها من خلال مدها بما يكفل لها التفوق العسكري والاقتصادي.
ولتحقيق ذلك تسعى أميركا لتشكيل معالم جديدة للمنطقة وفق مقاييس مبادرة «الشرق الأوسط الجديد» التي عرّبَت لها كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية، أثناء زيارتها للمنطقة في أوج حرب إسرائيل على لبنان. هذه المبادرة تكشف عن ملامح الرؤية الأميركية للمنطقة في عصر ما بات يعرف بـ «ما بعد الحادي عشر من سبتمبر» ومكافحة الإرهاب.. وهي سياسة تجمع بين القوة العسكرية ونشر الثقافة الغربية الممثلة بأميركا في مجتمعاتنا. انها جزء من الحلم الأميركي لإقامة دولة تحتل الريادة في المجتمع العالمي وتفرض عليه سطوتها الاقتصادية والعسكرية والثقافية.
سعي أميركا لوضع العالم العربي تحت وصايتها وإعادة رسم خارطته أرضا ومعتقدا وثقافة، تتجاوز حدود ما يخطط لقطر عربي هنا أو هناك وإنما هو جهد منظم سيطال دولا أخرى تحمل تركيبة سكانها الطائفية والعرقية بذرة «التشرذم». ولعل ما يشهده العالم العربي من تراجع مخيف في انحسار التطلع القومي وضعف التضامن العربي البيني في مقابل ترسيخ القطرية سياسيا واقتصادياً، والهرولة غير المبررة لإرضاء إسرائيل وغض النظر عن المذابح التي ترتكبها يوميا في حق الشعب الفلسطيني، يؤكد فعلا أننا أصبحنا أو نكاد تحت مظلة «المشروع الأميركي الجديد».
بيد أن ما خططت له دوائر صنع السياسات الإستراتيجية في واشنطن ما كان له أن ينجح لولا استعدادنا لمنحه هذا النجاح ومن دون مقابل. فمن يعتقد أن أميركا تضمن لهم السلامة والاستقرار و«راحة البال» والاحتفاظ بالمقاعد الوثيرة هم مخطئون للغاية. فلا الـ «همر» ولا القتل العشوائي وتهديم البيوت على رؤوس ساكنيها أعاد الاستقرار إلى العراق ووفر الأمن لقادته الجدد، ولا نموذج «الديمقراطية الأميركية» الذي يجري تسويقه في المنطقة أسفر عن شيء غير مزيد من إراقة الدماء.
إن ما يحدث في العراق يؤكد أن الدولة «العظمى» غير قادرة على فرض إرادتها، وان فعلت فلن يكون ذلك من دون ثمن باهظ في الأرواح والمال، وان مشروعها لتشكيل معالم جديدة للوجه العربي حسب ما يخدم مصالحها لن يتحقق إلا على أشلاء مئات آلاف من العرب وبقبول من صادروا قرار شعوبهم. وإدارة البيت الأبيض أيا كانت نزعتها ـ جمهورية أم ديمقراطية ـ لا يعنيها عدد الذين ستسحقهم جنازير آلياتها العسكرية وهي في طريقها لهدم تمثال أو إعادة رسم خارطة!
ولعل يد «جون بولتون»، مندوب أميركا في الأمم المتحدة، خير دليل على أن دمنا ـ في عيونهم ـ ليس قانيا. فمن اجل «جلعاد شاليت»، الجندي الإسرائيلي الذي اسر في معركة عسكرية قتل المئات من الفلسطينيين وسيقتل المزيد بعد أن منح «الفيتو» الأميركي إسرائيل الحق ومن على منبر مجلس الأمن وعلى رؤوس الأشهاد لتمضي قدما في استباحة الدم الفلسطيني من دون واعز إنساني ولا أدنى إحساس أن من ماتوا بشراً وان بينهم الطفل ماهر سليم ولويل، 6 أعوام، الذي قتل غدرا عندما كان يلعب بجوار منزله بعدما أصابته بعيار ناري متفجر في العنق.
فشل المشروع الأميركي للسيطرة على مقدرات أمور العالم يتجلى أيضا في أميركا الجنوبية ـ حديقتها الخلفية ـ فها هي الأنظمة الموالية لها تسقط واحدة تلو الأخرى لا عن طريق الانقلابات وإنما بواسطة صناديق الاقتراع! وكوبا تُسطّر نموذجا للتصدي للإرادة الأميركية في عقر دارها، فالجزيرة الصغيرة التي تبعد عن سواحل ولاية فلوريدا الأميركية مئة ميل فقط، ظلت عصية طوال أكثر من خمسين عاما على «الدولة العظمى»، ولم تسفر محاولات أميركا المختلفة ولا الحصار الذي فرض عليها «تركيعها»، فالعجوز كاسترو مازال رغم وطأة السنين الخمسين التي قضاها رئيسا لبلاده قادرا على رفع إصبعين إشارة على النصر.
أما من يستبشر خيراً في المبادرة الأميركية على أساس ما تحمله من وعود بإرساء قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان فهؤلاء يبنون آمالاً على أوهام ويشترون الهواء ولا شيء غيره. فأميركا غير معنية بالديمقراطية ولا «شلة» المسيحيين الجدد يهمهم نشر مبادئ الحرية وحقوق الإنسان في العالم العربي، فهم ليسوا سوى تجار نفط غايتهم الأساسية الحصول عليه وفق شروطهم وما يخدم مصالحهم!
كاتب عماني
