يتزايد القلق الخليجي والعالمي من تداعيات النووي الإيراني على أمن الخليج واستقرار ومصالح الخليج والعالم في هذه المنطقة، وكلما صعّد (نجاد) لغة التهديد والمواجهة، وضع أهل الخليج أياديهم على قلوبهم تحسباً للنتائج المفزعة، وفي خطاب أخير كشف (نجاد) عن (60) ألف جهاز تخصيب لدى إيران، متعهداً للشعب الإيراني بأن يحول إيران دولة نووية كاملة بعد (3) أشهر، مطالباً العالم قبول التعايش مع إيران النووية.
في المقابل يهدد اولمرت بأن الدولة العبرية لن تسمح بامتلاك ايران للسلاح النووي، مؤكداً أنه لا يستبعد الخيار العسكري عبر توجيه ضربة استباقية تستهدف منشآت إيران النووية، في حين أن الدول الست الكبرى لا تزال تواجه صعوبة في الاتفاق على مشروع قرار يطالب بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على إيران، وهكذا كتب على أهل الخليج أن يتعايشوا مع هواجس النووي الإيراني.
الآن ـ الأسئلة المطروحة والتي ينبغي طرحها على خلفية البرنامج النووي الإيراني والمشروع الأيديولوجي والسياسي والعسكري لإيران هي: ما هي مبررات القلق الخليجي؟ وما حاجة إيران للنووي؟ وماذا لو أن إيران تملك النووي فعلاً، حالياً وخطب (نجاد) مناورة؟ وما الذي يضيفه النووي إلى ترسانة الأسلحة الإيرانية؟
وما هي الأبعاد السياسية والأيديولوجية والاجتماعية للدور الإيراني في المنطقة؟ وما هي الآثار الاقتصادية للسياسة الإيرانية على المنطقة؟ وما هي التداعيات الأمنية للمشروع النووي الإيراني؟ تلك الأسئلة وغيرها كانت موضع نقاش معمق من قبل مشاركين خليجيين وعرب ضمهم منتدى (تأثير المشروع النووي الإيراني على المنطقة) أقامته صحيفة (الاتحاد) مؤخراً.
أولاً: بخصوص مبررات القلق الخليجي فهي حقيقية ومشروعة وإن كان بعض النخب العربية وقطاعات جماهيرية عربية لا تتفهم أو لا تريد أن تتفهم مشروعية القلق الخليجي إما لأنها خارج منطقة الخليج أو لأن الخليجيين لم ينجحوا في توصيل رسالتهم بشكل جيد، ومن المدهش ـ حقاً ـ أن كتاباً ومفكرين عربا حاولوا تهدئة مخاوفنا وطمأنتنا بأنه لا خوف إطلاقاً من المشروع الإيراني بل وصلت الجرأة ببعضهم أن يطالبنا بتشجيع البرنامج الإيراني من أجل التوازن مع إسرائيل وأن ننضم إلى إيران في حلف عسكري (شرق أوسطي إسلامي) ضد إسرائيل وأميركا!!
إن مبررات القلق الخليجي لا تنحصر في البرنامج النووي فحسب بل في (العقيدة الثورية) لإيران ممثلة في مشروعها التوسعي، والنظام الإيراني نظام شمولي لا يقنع بدون دور الهيمنة والزعامة مما يجعل منطقة الخليج رهينة كما في قضية الجزر الإماراتية، وإيران لا يمكن أن تضرب إسرائيل لأن النتائج كارثية عليها.
وثانياً: إيران ليست بحاجة للنووي لا (سلمياً) من أجل الطاقة لأن عندها الطاقة الرخيصة التي تغنيها عن هدر المليارات من أموال شعبها الذي يعيش في مستوى اقتصادي متواضع مقارنة بجيرانهم الخليجيين ولا هي بحاجة للنووي (عسكرياً) لأنها غير مستهدفة عسكرياً لا في أرضها ولا بترولها ولا أمنها ولأن عندها ترسانة من الأسلحة ما يضمن لها الردع الكافي.
وثالثاً: ماذا لو أن إيران تملك النووي فعلاً، وهو احتمال قال به بعض المشاركين في المنتدى، ومر من غير تعليق، وقد يكون هذا الاحتمال وراء ثقة (نجاد) بنفسه، وتعهده بجعل إيران نووية كاملة خلال (3) أشهر، وفي هذه الحالة ليس لنا إلا التعايش معها مع دعائنا إلى العلي القدير أن يحفظ الخليج من كل سوء. وليس لنا في هذه الحالة إلا زيادة التحالف مع أصدقائنا من الدول الكبرى طلباً للأمن والأمان.
رابعاً: ما الذي سيضيفه (النووي) لإيران؟ وماذا يعني تملك إيران للنوي؟ قد لا يشكل تملك النووي لأية دولة ـ طبيعية ـ خطورة في حد ذاته، فدول عديدة تملكه ـ الهند، باكستان، إسرائيل ـ ولكن إيران دولة لها نظام شمولي وعندها مشروع سياسي، وخطورة تملك إيران للنووي تكمن في توظيفه من أجل مزيد من التمدد والتدخل في الشأن الخليجي ـ خاصة والعربي عامة ـ وإذا كانت ـ إيران غير النووية ـ متدخلة في الخليج
وفي العراق عبر الميليشيات والأتباع وفي لبنان عبر حزب الله وفي فلسطين عبر حماس، بل وصل النفوذ والدعم والأموال التي تنفق من غير حساب إلى المحاكم الإسلامية في الصومال ـ تقرير الأمم المتحدة ـ فكيف الحال إذا أصبحت إيران نووية كاملة؟!
إيران تسعى للنووي ليس فقط من أجل مزيد من الهيمنة وفرض الوصاية ولكن لأن هذا النووي يرضي (غرورها) و(كبرياءها) القومي يرد الاعتبار إلى (ذاتها) التاريخية و(عزتها) الإمبراطورية فهي ليست أقل شأناً من باكستان والهند ولاشك أن الحصول على النووي سيرسخ نهج وفكر وحكم الثورة ويوحد الشعب خلف الحكومة.
فالمشكلة الكبرى للنووي الإيراني، توظيفه السياسي والأيديولوجي والنفسي للسيطرة والزعامة والهيمنة. لذلك أصبح تملك النووي (عقيدة) قومية ودينية لا فرق بين الإصلاحيين والمحافظين ومن يتنازل عنه أو يتفاوض حوله يُعّد متخاذلاً وخائناً لدى الشعب الذي تم شحنه بالشعارات الدينية والقومية ولذلك فإن تملك إيران للنووي معناه في الحقيقة ترسيخ الأبعاد السياسية والأيديولوجية والاجتماعية للدور الإيراني المتزايد في المنطقة.
خامساً: أما عن الآثار الاقتصادية لسعي إيران للنووي فقد تناولها د. محمد العسومي في ورقة متميزة، كما شرحها د. عبدالله المدني ـ الخبير البحريني في الشؤون الآسيوية ـ في مقالة بعنوان (الخليج وتشيرنوبل إيراني محتمل) موضحاً الاكلاف العالية الناجمة عن حدوث تسرب إشعاعي ـ بغض النظر عن كون البرنامج الإيراني سلمياً أو حربياً ـ نتيجة لأخطار فنية أو عمل إرهابي أو عسكري أو بفعل زلزال مدمر
وبخاصة أن مفاعل (بوشهر) يقع على خط زلزال نشط، وضح د. المدني الآثار البينية والديموغرافية والصحية والنفسية والإنتاجية المؤلمة وكلها لها تداعيات اقتصادية تستنزف أموالاً طائلة لسنوات عديدة للإنفاق على ما تدمره الإشعاعات النووية في البر والبحر والجو والإنفاق على إعادة تأهيل المناطق المتضررة وعمليات التهجير، وإعادة التوطين وعلاج المصابين وتعويضهم مقارنة، بما حصل في (تشيرنوبل) أبريل 1986، وانتهى د. المدني إلى استخلاص الدرس الأعظم وهو أنه (ما من دولة نووية مهما بلغت قوتها العلمية واحتياطاتها الأمنية والفنية مستثناة من وقوع مثل هذه الكارثة).
سادساً: أما من التداعيات الأمنية، إن هذا الإصرار الإيراني قد يدفع دول المنطقة إلى الخيار النووي الخليجي كحق مشروع لحماية مصالحها ومن ثم تتحول المنطقة إلى ساحة صراع بين القوى النووية ولهذا لم يكن تحرك مصر النووي السلمي مستغرباً.
سابعاً: ما المطلوب؟ الواجب على الخليجيين الوصول إلى الشعب الإيراني مباشرة عبر مختلف الطرق لمخاطبته وإقناعه بأن تملك النووي ليس في صالحه وصالحنا، وأنه لن يجلب سوى الدمار والخراب وهدر الأموال للمنطقة، وأنه سلاح خطر علينا جميعاً، نحن نريد إيران صديقة حليفة وجارة متعاونة فهل يسمح عقلاء إيران؟.
كاتب قطري