هل وصل الحكم في العراق إلى الضياع بحيث يقوم كل مسؤول باطلاق التصريحات والقرارات بمعزل عن الآخر دون مركزية للسلطة وفقاً للقوانين والدستور، وان ما جرى للضاري أحد أشكال هذا الانفلات حين تنصلت أجهزة الدولة من أوامر الاعتقال والمحاكمة لتقف على القضاء، في الوقت الذي نعرف أن شرعية الدولة لا تتجزأ، وإلا كيف ستمضي مثل هذه الحكومة بعقد اتفاقات وممارسة دور لها في الداخل والخارج؟.

لا أحد يرغب في ضياع العراق أو تشرذمه، لكن ما يجري يوحي بأن الأمور لا تتجه إلى التصحيح والتفاهم، وإلا بماذا نفسر عدم رفع العلم العراقي عند قطاع مهم بدعوى أن العلم وضعت إشاراته أثناء حكم صدام، ثم يأتي آخر ويتهم، وغيره يدافع عن دولة اقليمية، ومثل هذا الضياع من خلال أركان الحكم يوجز الأزمة كلها بأن العراق يحكم جزئياً لكل فصيل أو طائفة، ويبقى السفير الأمريكي هو من يقبض على أوراق اللعبة كلها؟.

الخروج من الأزمات المتلاحقة يحتاج إلى إرادة أشخاص يضعون الوطن في القائمة الأولى من الأولويات، مدركين ان الثارات والمحاصصة بأخذ الامتيازات وتوزيع الدوائر والأحياء إلى أجزاء معزولة عن نفسها لن يؤمن لأي قوة أمنها، وقد جرب اللبنانيون هذه الصيغة، وفشلوا وانتهوا بأن لبنان للجميع وليس لقومية أو طائفة، والعراق يقع بنفس الخطأ إذا ما احتكم كل شخص إلى ذراعه الديني أو القومي، لأن في داخل كل تنظيم توجد عوامل تفتيته مثلما حدث في الحروب الأهلية في مختلف أنحاء العالم.

إذا كانت قوى الاحتلال ساهمت بشكل مباشر بتمزيق رقعة العراق واتساع دائرة القتل، فإن بيئة الداخل التي يتصارع فيها الامام مع الشيخ واليساري مع الطائفي، والقبلي مع المدني فإن هذه التربة التي نبتت عليها صراع الأخوة، هي التي أجازت نقل الانتماء إلى الخارج بالاستعانة بدول إقليمية عربية وغير عربية، وتحول اللاعب إلى أداة، ومن هنا نقول إن الضاري سواء أخطأ أو أصاب كان من المفترض معالجة الموضوع بدون تأجيج أو فتح جروح جديدة، لأن غيره ممن هم في السلطة لديهم نفس الأخطاء.

وإذا ما استمرت الاتهامات وصار كل زعيم يخترع مبررات اتهاماته فإن هذا النهج سوف يضع السلطة في حرج أي ان الدول المتعاملة معها سوف تكتشف ضعفها من خلال هذا التسيب وبالتالي فالأمر يحتاج إلى شجاعة الرجال بصيانة وحدة العراق بعيداً عن المذهب والطائفة.