للمرة الأولى منذ عام 1974 يكسب الديمقراطيون هذا العدد الكبير من المقاعد في الكونغرس الأميركي بمجلسيه في الانتخابات النصفية. بوش اليوم يجد نفسه في وضع مشابه لبيل كلينتون عام 1994 عندما اجتاح حينذاك الجمهوريون الكونغرس الأميركي.
سيحكم بوش بقيود التعايش مع السلطة التشريعية كما فعل كلينتون من قبل، ومع التذكير بأن الدستور والتقاليد والأعراف المستقرة تترك له مجالا واسعا وأيادي حرة للاستمرار في صنع وادارة السياسة الخارجية.
الكونغرس يمكنه ان يمول او يحجب التمويل او يقيده، يستطيع ان يشاكس وان يعرقل ولكن في نهاية الأمر الرئيس، الذي هو «القائد الأعلى»، يقرر السياسة الخارجية.
والمفارقة التي يمكن ان تحدث بعد هذه الانتخابات الأخيرة ان بوش قد يتبع في العامين المتبقيين من ولايته السلوكية التي اتبعها كلينتون بعد عام 94 وهي زيادة الاهتمام والتركيز على السياسة الخارجية باعتبار انها المجال الوحيد الذي بقيت له فيه حرية الحركة بعد «خسارة» المجالات الداخلية.
عدد من الأسئلة والمفارقات تثيرها نتائج الانتخابات ونجاح عدد كبير من الديمقراطيين المحافظين في الشؤون الاجتماعية. من هذه الأسئلة هل خسر الحزب الجمهوري بأشخاصه فقط ولم يخسر بفكره الاجتماعي المحافظ وبقيت بالتالي منظومة القيم تلك لا بل انتشرت حتى في أوساط واسعة من الديمقراطيين.
هل كان التصويت ضد الحزب الجمهوري بسبب أزمة القيادة والسقوط في «المستنقع العراقي» وتفشي «ثقافة الفساد» وازدياد المشاكل الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية حدة. أسئلة اخرى تطرح ايضا حول التركيبة الفكرية والقيمية للديمقراطيين الجدد الذين زاد عددهم :
دون شك ستبقى سياستهم الاقتصادية في السياق التقليدي للحزب، تقوم على الدور التدخلي للدولة وزيادة الضرائب والحماية الاقتصادية ولكنهم في الوقت ذاته يقفون بشدة مثلا مع حق اقتناء السلاح ومع القوانين المناهضة للإجهاض وهما معياران أساسيان في سياسات المحافظين التقليديين.
والديمقراطيون الجدد ايضا أقاموا علاقات مع بعض جماعات الأصولية الدينية المستائين والذين خاب ظنهم من سياسات الإدارة الحالية. ذلك كله يعكس التغييرات العميقة التي طالت المجتمع الأميركي في العقد الماضي.
من الأسئلة والمفارقات ايضا شعور المحافظين التقليديين الذين كانوا يشكلون دائما القوة السياسية والاجتماعية الأساسية في الحزب الجمهوري، بصواب التحذيرات التي أطلقوها والإنذارات التي وجهوها للإدارة الأميركية التي «خرجت عن الخط» وغرقت في الشأن العراقي، الذي جرها اليه بالشكل الذي حصل كما يقول بعض رموز المحافظين التقليديين، المحافظون الجدد ذوو التراث التروتسكي في الثورة الدائمة وتصدير الثورة التي صار عنوانها مع ولادتهم الجديدة «دمقرطة الشرق الأوسط عبر البوابة العراقية».
والجدير بالذكر انه توجد فوارق شاسعة بين المحافظين التقليديين والمحافظين الجدد من حيث الاهتمامات والأولويات والاتجاهات الداخلية والخارجية. وحول صاعق التفجير الخارجي أو عنصر التغيير في الانتخابات الذي تجسد في المسألة العراقية يمكن ادراج الملاحظات التالية لاستشفاف طبيعة المرحلة المقبلة:
1ـ خسر الديمقراطيون الانتخابات الرئاسية عام 2004 لأن صورتهم حول كيفية التعاطي مع مسائل الأمن القومي كانت سلبية وفاقدة للمصداقية وتتسم دائما بصورة الضعف والتردد. وخسر الجمهوريون الانتخابات النصفية لأن صورتهم في هذا المجال ايضا قد اهتزت وأصابها التصدع.
فأمام مخاطر الإرهاب المعولم والالتباسات العديدة القائمة حول صوره وطبيعته ومصدره خاصة ما بعد 11 سبتمبر الذي شكل زلزالا في البناء النفسي والسياسي الأميركي، تراجع المزاج الانعزالي الأميركي .
ولم يعد من الممكن سياسيا رفع شعار الانطواء والتراجع لأن شعارا لسياسة من هذا النوع يشكل خطرا على الطرف او الحزب الذي يحمله أو يرتبط اسمه به. فالمسألة لا تتعلق بالانطواء بقدر ما تتعلق بطبيعة الدور التدخلي الأميركي المطلوب وآلياته وأدواته.
2ـ الموقف الديمقراطي بشأن العراق هو في حقيقة الأمر مواقف مختلفة ولو يجمع بينها عنوان اسمه الانسحاب التدريجي، والخلاف لم يكن حول التدخل بقدر ما كان حول طبيعة إدارة او سوء إدارة الملف العراقي من طرف الإدارة الحالية.
وبالتالي ستبقى المسألة العراقية مسألة سياسية داخلية شديدة الحساسية تتعلق بكيفية إحداث توازن بين تدخل أميركي لاحتواء مخاطر التفجر العراقي بتداعياته الخطيرة على المصالح الأميركية من جهة والخروج من المستنقع العراقي بأقل ثمن ممكن ودون المس بالمكانة الأميركية الإقليمية والدولية من جهة اخرى، لأن الفشل في ذلك له تداعيات على المستقبل السياسي لكل من الحزبين قبل عامين من الانتخابات الرئاسية القادمة.
ولا يستطيع الحزب الديمقراطي ان يربط نفسه بصورة الطرف الذي ساهم في إسقاط المكانة الأميركية، الأمر الذي قد يدفع نحو بلورة موقف وسطي مشترك بين الحزبين يستند الى بعض مقترحات لجنة بيكر /هاملتن التي يفترض ان تصدر رسميا في الأسبوع الثاني من الشهر المقبل.
3ـ لا بد من التذكير انه قبل الانتخابات بفترة بدأت صورة المحافظين الجدد وقوتهم بالتراجع وتراجعت بوصلة التغيير التي حملوها وتحطمت الآيديولوجيا على صخرة الواقع ليتراجع الحديث عن الفوضى البناءة والهندسة السياسية والاجتماعية ودمقرطة الشرق الأوسط وإقامة العراق النموذج، ليتراجع نحو استقرار العراق ومنعه من ان يشكل خطرا على بيئته الإقليمية المباشرة.
وبدأ نجم كوندوليزا رايس، وما تمثله من واقعية متشددة و متحررة الى درجة كبيرة من الشعارات والعناوين الآيديولوجية للمحافظين الجدد، بالصعود ممثلة مدرسة يمكن وصفها بالواقعية الجديدة مرنة على مستوى الخطاب ولكنها شديدة القناعة بالقوة الأحادية الأميركية على صعيد تحديد الأجندة الدولية وعلى صعيد تحديد اولويات المخاطر الدولية والمقاربات المطلوبة تجاه المسائل الدولية المختلفة التي تهم السياسة الأميركية.
4ـ ازدياد النصائح والانتقادات من الداخل حتى قبل الانتخابات، من قبل المؤسسة الاستراتيجية والفكرية الأميركية بضرورة إحداث تغيير جذري في السياسة العراقية والشرق أوسطية للولايات المتحدة وازدياد النصائح ايضا حاليا من الخارج بالاتجاه ذاته ومن الأصدقاء القريبين من السياسة الأميركية وفي طليعتهم بريطانيا والدنمارك واستراليا.
نصائح تدعو الى اعتماد مقاربة شاملة حول العراق وحول فلسطين وتقول بوجود علاقات تأثير من الثانية في الأولى. كما يبدو ان بوش بدأ يلجأ الى بعض رموز مدرسة الواقعية القديمة وأهم مثال لذلك كان تعيينه لروبرت غيتس وزيرا للدفاع.
وهو الذي كان عضوا في مجموعة التفكير التي ترأسها زبغنيو بريجنسكي والتي أصدرت تقريرا في صيف 2004 يدعو الى الحوار مع ايران كأفضل وسيلة لمعالجة الأزمات القائمة، الأمر الذي يراه البعض وكأنه مؤشر ولو خجول لنهاية الريغانية وعودة الابن الضال الى مدرسة ابيه.
ذلك كله يطرح تساؤلات منها:
هل ستشهد الولايات المتحدة عملية اعادة تموضع وتصحيح للتصويب في ظل غياب القناعة بإحداث تحول عن سياسات الأمس وقطيعة معها نحو اعتماد مقاربات جديدة في الشرق الأوسط،.
وهل يكفي التغيير الداخلي الذي حصل وهو نصف تغيير ومحدود في التوجهات والتأثيرات الخارجية؟ هل يكفي ذلك لإحداث تغيير في السياسات الخارجية ام ان المطلوب انتظار مزيد من التأزم والتغيير الذي يحدثه هذا التأزم في البيئة الخارجية وتحديدا في البيئة شرق أوسطية ليتم التغيير ولو التدريجي والمراجعة المنتظرة عند الكثيرين في السياسة الأميركية في المنطقة؟
أم ان نهاية العهد او السنتين المتبقيتين في رئاسة بوش ستشهد مزيدا من الصراع بين مختلف المدارس المؤثرة في الإدارة وتلك الضاغطة من الخارج على الإدارة دون وجود قناعة بالتغيير الجذري عند الرئيس الأميركي؟
مما يجعل الإدارة الأميركية في حالة من الارتباك والشلل وفوضى سياسات الخطوات الصغيرة التي قد تكون أو قد تبدو مختلفة وترسل إشارات متناقضة بالانتظار نهاية عهد الإدارة التي كانت آيديولوجية بامتياز في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية.
كاتب لبناني