من جديد يقفز الأوروبيون إلى مسرح القضية الفلسطينية. تحركهم هذه المرة يأخذ الطابع الهجومي. أهم ما فيه أنه صناعة أوروبية ذاتية، ثم هو جاد ويختزن ما يكفي من الزخم. والأهم انه صادر بالتعاون وأيضاً بالتزامن، بين الكبار على هذه الساحة. والملفت أكثر، توقيته. فهو يأتي في لحظة شرق أوسطية بالغة التعقيد والخطورة. كما يجيء في لحظة أميركية وإسرائيلية، مضغوطة تضيف فيها مساحة المناورة وأرضية الاستئثار بالقرار.

ناهيك عن المراوغة والقدرة على التملص والتفرد أو هكذا يفترض أن تكون. فهل تلقى التحركات الأوروبية الراهنة، من مبادرات وتحذيرات وتوجهات، الأذن الصاغية في واشنطن ـ ولانقول في تل أبيب ـ أو، في أدنى حدّ، هل تتخلى واشنطن عن سياسة وضع العصي في الدواليب وتترك للدور الأوروبي السلمي أن يأخذ مجراه من دون عراقيل؟

المثلث الأوروبي الفرنسي ـ الاسباني ـ الإيطالي، طلع باقتراح، يعتزم رفعه أوائل الشهر المقبل؛ إلى الاتحاد الأوروبي لينال تأييده. يقضي بتبادل الأسرى بين إسرائيل والفلسطينيين ووقف لإطلاق النار بينهما؛ إلى جانب إقامة حكومة وحدة وطنية فلسطينية. بالإضافة إلى ذلك هناك عرض أوروبي لرعاية «مؤتمر دولي للسلام».

في ذات الوقت وبموازاة هذه المبادرة يواصل رئيس الوزراء البريطاني تسليط الضوء على أهمية وأولوية القضية الفلسطينية ولزومية العودة إلى ملفها لمعالجته.

وهو إذ أبدى «تفاؤله»، إلا أنه حذر من العواقب الخطيرة في عموم المنطقة إذا مضت الأشهر القليلة المقبلة من دون اغتنام فرصة اللحظة الراهنة لتحقيق السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

الجانب الفلسطيني سارع إلى الترحيب، بالتحرك الأوروبي هذا. في المقابل وجرياً على العادة، سارعت إسرائيل إلى إبداء الفتور ـ المنطوي على الرفض ـ إزاء ذلك. الذريعة، هي ذاتها: أنها تفضل «الحوار المباشر» مع الفلسطينيين، وكأن تل أبيب، بكافة حكوماتها، كانت تجري بحرارة وراء التفاوض معهم.

أو كأنها عندما كانت تتفاوض، منذ 1993 وحتى اللحظة؛ كانت جادة، حتى لا نقول عازمة، بشأن التوصل إلى تسوية سلمية. بل إن الوزيرة ليفني عتبت على الأوروبيين، لأنهم «لم يتشاوروا» مسبقاً مع إسرائيل؛ في هذا الخصوص!

لكن مثل هذا الرد متوقع ولا غرابة فيه. الآن، إذا حصلت المبادرة على اجماع أوروبي ـ وهو المرجح ـ مطلوب أن تحظى أيضاً على موافقة الرباعية وهو أيضاً مرجّح؛ ما عدا واشنطن؛ التي تقول السوابق انها تقارب مثل هذه المبادرات بالتنسيق مع إسرائيل. وتصريح ليفني رسم تقريباً مسار مثل هذا التنسيق.

لكن مع هذا لا ينبغي أن يعني ذلك أن الحراك الأوروبي محكوم عليه بالفشل المحتوم. أوروبا مهمة ومؤثرة بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي. فهي متنفسّه الأساسي.

إدارة الرئيس بوش، خارجة لتوها من انتخابات كونغرس جاءت نتائجها اقرب إلى الانقلاب عليه ـ من دون ان يعني ذلك أن الكونغرس الجديد أكثر استعداداً للضغط على إسرائيل ـ ثم أن ورطة الإدارة في العراق تزداد تعقيداً وكلفة. ناهيك عن تعثرها في مواجهة النووي الإيراني؛ كما أن إسرائيل ذاتها لا تزال غارقة في تداعيات حرب لبنان وهزاتها الداخلية؛ كما في مراوحتها واعترافها بهذه المراوحة، في هجمتها العدوانية على غزّة.

كل ذلك يوفر مناخاً ملائماً للمبادرة الأوروبية؛ التي تحتاج إلى رفدها بدعم عربي فعّال كما بترميم سريع للبيت الفلسطيني من خلال وضع نهاية لماراثون الحكومة المشتركة؛ الذي طال أمده وتفاقمت خسائره.