الغطرسة التي ميزت حقبة وزير الدفاع الأميركي المستقيل دونالد رامسفيلد، اعتقد البعض أنها إلى زوال بعد رحيله، لكن يبدو أن هذا الخط من الاستعلاء في التعامل مع الوضع في العراق والذي اعترف به مسؤول كبير في الخارجية الأميركية على شاشة قناة الجزيرة أخيرا، لا يقتصر على رامسفيلد، بل هو استراتيجية ثابتة داخل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) التي يبدو ان كهنتها تمكنوا من الالتفاف على لجنة دراسة العراق التي يرأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر والنائب السابق لي هاملتون.
فقبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، التي مني فيها الجمهوريون بهزيمة منكرة، كانت التسريبات تشير إلى أن لجنة بيكر ـ هاملتون ستقدم تقريرا، ربما يمثل انقلابا على خط البيت الأبيض، في التعامل مع الشأن العراقي، بالدعوة إلى انسحاب تدريجي.
وإشراك سوريا وإيران في إعادة الاستقرار إلى بلاد الرافدين، غير أن ما كشفته صحيفة الغارديان البريطانية قبل أيام عن رغبة الرئيس الأميركي جورج بوش القيام ب«محاولة كبرى أخيرة» في العراق تتركز على استخدام الآلة العسكرية للقضاء على العنف بإرسال نحو 20 ألف جندي إضافي يعد قطعا للطريق على من توهموا تغيرا للسياسة الأميركية بعد انتخابات الكونغرس.
وبدلا من ترك بيكر وأعضاء لجنته يعملون بعيدا عن الأجواء المشحونة داخل البنتاغون بعد استقالة رامسفيلد وتعيين روبرت غيتس خلفا له، فإن مسؤولين في البنتاغون نفسه اقترحوا على اللجنة «استراتيجية للنصر» من أربع نقاط، يفوح من بين سطورها التشدد.
وعدم الاعتراف بحقيقة ان الوجود الأميركي هو السبب والنتيجة في تصاعد العنف، وجنوح العراق إلى حرب طائفية، تظهر بصماتها يوميا على شكل مئات الجثث مجهولة الهوية، وعمليات الخطف التي تجري في وضح النهار وتتبادل وزارة الحكومة الاتهامات بالمسؤولية عنها.
فعندما يتجاهل بوش أن «تثبيت المسار» في العراق كان السبب في الحالة التي وصل إليها الجنود الأميركيون وهم يرون الارتفاع اليومي في حجم خسائرهم، وعندما لا يعترف بأن المسار ذاته، أوصل البلاد والعباد إلى المأزق الحالي ويصر على عدم الاعتراف بالواقع ويمضي «في حالة من إنكار لحقيقة الوضع في العراق» بتعبير مسؤول أميركي بارز، تكون خطته الجديدة نوعا من التخبط الذي ميز السياسة الأميركية قبل وبعد غزو العراق قبل أكثر من ثلاث سنوات.
إدارة بوش هي التي حلت الجيش العراقي وسرحت الشرطة، وهي التي شردت الموظفين، وهي نفسها التي دفعت بالعملية السياسية العراقية إلى أتون المحاصصة الطائفية، والدفع باتجاه تقسيم البلاد على أسس دينية وعرقية، وبالتالي لا نتوقع مع العملية العسكرية الجديدة التي ينوي بوش خوض غمارها، اي تقدم على المسار، بل استمرار للطريق الفاشل الذي كان سببا في هزيمة بوش وحزبه في انتخابات الكونغرس، ودفعت برامسفيلد إلى الاستقالة، ان لم تكن إقالة، كأول فم يتجرع كأس الهزيمة.
وحتى نكون منصفين قد تبدو الخطة التي يبحث بوش من خلالها عن مخرج، إضافة إلى اعتمادها على اليد العسكرية الفولاذية، تحتوى على نقاط لا بأس بها في الظاهر مثل الدعوة إلى مؤتمر لجيران العراق، أو إحياء المصالحة الوطنية بين الفرقاء العراقيين، وأخيرا تقديم المزيد من الأموال لدعم إعادة الإعمار.
غير أن هذه النقاط لن تجدي نفعا، إن لم تكن الإدارة الأميركية عاقدة العزم فعلا على الخروج من المأزق وليس المكابرة من اجل تحقيق نصر كاذب اخذ يتبدد مع طول البقاء في العراق. فقد عقد وزراء خارجية الجوار العديد من اللقاءات من دون أن نجد صدى ملموسا على ارض الواقع، ومؤتمر المصالحة لم ير النور لعدم وجود موقف أميركي دافع باتجاهه، وأخيرا فإن أغلب أموال إعادة الإعمار أجهز فساد الوزارات عليها.
وبدلا من اللف والدوران، على البيت الأبيض الاعتراف بالحقائق، وان يضع خطة موضوعية ومفتوحة على الواقع وليس على الأوهام التي تقود عادة إلى الكوارث التي لا يمكن إصلاحها عند فوات الأوان.