أرجو ألا يأخذنا الارتياح لهزيمة الرئيس الأميركي بوش وحزبه الجمهوري إلى أكثر مما يجب..صحيح أن ما حدث في الانتخابات الأميركية كان سقوطاً هائلاً لسياسة أميركية بشعة أضرت بنا ودمرت دولة عربية كبيرة ومنحت مجرمي الحرب الإسرائيليين كل الدعم ليمارسوا حرب الإبادة على شعبنا الفلسطيني ويدمروا لبنان ويمارسوا العربدة في المنطقة.
وصحيح أن سقوط رامسفيلد وهو العنوان الكريه لكل هذه السياسة العدوانية المتعجرفة لا يعني سقوطه الشخصي فقط ولكنه يعني سقوط هذه السياسة وبداية مرحلة من التغيير الواسع في سياسة أميركا تجاه المنطقة.. لكن هذا كله لا يعني أننا أمام مرحلة تخلو من المصاعب.
أو أن تصحيح ما جرى سيتم بالصورة التي نتمناها، أو أن الطريق أصبحت سالكة لعلاقات عربية - أميركية على أسس صحيحة، بل ربما يكون العكس هو الصحيح وربما نكون مقدمين على مرحلة مختلفة ولكنها أكثر صعوبة بالنسبة للعرب إذا لم يستوعبوا ما جرى ويتعلموا منه، وإذا لم يتفهموا طبيعة المرحلة القادمة ويستعدوا لها بالصورة الصحيحة!!
نعم سيكون هناك تغيير أساسي في السياسة الأميركية تجاه المنطقة. وهناك الآن اعتراف بالهزيمة في العراق وتوافق على الخروج من هناك بطريقة « مشرفة » وفي اقصر وقت. هذا هو أساس التحرك الأميركي في المنطقة في المرحلة القادمة، وهو تحرك يستهدف بالطبع المصالح الأميركية التي أضرت بها سياسة المحافظين الجدد ابلغ الضرر..
ولكن أين المصلحة العربية؟ وهل سيدفع العرب ثمن الخروج الأميركي بعد أن دفعوا ثمن الغزو الأميركي؟ و إلى أين تسير المنطقة التي كان مقرراً لها أن تكون حجراً أساسياً في بناء الإمبراطورية الأعظم فإذا بها تكتب بداية النهاية لهذا الحلم الأميركي؟
ستخرج أميركا من العراق لتضمد جراح الهزيمة، ولكن أي عراق ستتركه؟
إنه العراق الذي أرادته العصابة اليمينية الصهيونية التي سيطرت على القرار الأميركي وأخذت الرئيس الأميركي إلى الحرب «المقدسة !!» لتدمير العراق وتقسيمه وتركه نهباً للفوضى والحرب الأهلية التي تأكل ما تبقى منه.
ستخرج أميركا من العراق ولكنها ستبقى في المنطقة.. ولكن ما أبعد صورتها وصورة المنطقة حين بدأت غزو العراق عن الصورة التي سيكون عليها الموقف وهي تخرج بهزيمتها الكبيرة، لم يعد خافياً أن غزو العراق كان مقرراً في أجندة المحافظين الجدد قبل أحداث 11 سبتمبر.
ضمن استراتيجية تم وضعها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي مباشرة. ساعتها كان المطروح على أميركا - بعد ان أصبحت القوة الأعظم في العالم - أن تختار بين طريقين : أن تنفرد بالهيمنة كقوة لم يعد أحد ينازعها، أو أن تشارك الآخرين في قيادة العالم مع احتفاظها بالمكان الأول الذي كان الجميع يسلمون به.
وكان قرار اليمين المحافظ الأميركي الذي تبناه بوش عن جهل وعن غطرسة معا، هو تبني الاختيار الأول ( الانفراد بالهيمنة ) والمضي قدماً وراء بناء الإمبراطورية الأميركية الأعظم في التاريخ. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل قاد الغرور هذا الفريق إلى تخطي حلم بناء الإمبراطورية الأعظم إلى السؤال :
كيف نحتفظ بهذه الإمبراطورية ونمنع عوامل الانحلال من اللحاق بها كما حدث في كل الإمبراطوريات على مدى التاريخ؟ وكيف نوفر الظروف التي تضمن لأميركا الانفراد بالسيطرة على مصير العالم للقرن الواحد والعشرين على الأقل؟ و كيف نمنع أي تهديد لانفرادنا بهذه الهيمنة وظهور أي منافسة حقيقية؟
وفي إطار الإجابة عن هذه الأسئلة كانت هناك قرارات خطيرة منها : السيطرة على مصادر القوة المتاحة في العالم وحرمان المنافسين المحتملين منها وفي المقدمة كان البترول،واعتماد «الحروب الاستباقية» كوسيلة مشروعة لضرب أي خطر يهدد الهيمنة الأميركية أو أي منافس محتمل على هذه الهيمنة قبل أن يستكمل بناء قوته، ثم تبني القوة وسيلة أساسية لتحقيق أهداف السياسة الأميركية .
ولإيجاد مبرر للحفاظ على القوة العسكرية الهائلة بل ودعمها رغم عدم وجود مخاطر حقيقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وفي هذا الإطار وضع العراق على خريطة الأهداف الأميركية كمقدمة للهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط ووسط آسيا لتكون قاعدة مهمة في الإمبراطورية الأميركية الأعظم ولمواجهة المنافسين المحتملين وأهمهم الصين وأوروبا.
ومن هنا فإن الهزيمة الأميركية في العراق ليست مجرد نهاية لمغامرة فاشلة أو لخطأ في التقدير أو في إدارة الحرب، ولكنها كما يقول العديد من المفكرين والاستراتيجيين الأميركيين وفي مقدمتهم مستشار الأمن القومي الأسبق والمفكر الاستراتيجي الكبير بريجنسكي هي نهاية او بداية النهاية للإمبراطورية الأميركية.
ويقارن بريجنسكي في دراسة سبقت نتائج الانتخابات الأميركية بين الهزيمة في العراق وبين حرب السويس عام 56 التي كانت هزيمة بريطانيا وفرنسا فيها إعلانا بسقوط الإمبراطوريتين،لتحاول أميركا وراثتهما وينازعها السوفييت حتى سقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد أميركا بالهيمنة العالمية. الآن تجيء الهزيمة في العراق لتعلن سقوط الإمبراطورية الأعظم وعودتها إلى الانكماش.
بريجنسكي وأقرانه يعلنون نهاية عهد الهيمنة الأميركية على المنطقة، ولكن من سيرث أميركا؟ الأمر عندهم غير واضح، والظروف تختلف عما حدث قبل نصف قرن حين أسقطت الحركة القومية العربية بقيادة مصر عبد الناصر الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية يومها.كانت أميركا تعد نفسها للوراثة.
وكان السوفييت يسعون لكسر الحصار المضروب عليهم، وكان العرب ينهضون بعد سنوات طويلة من قهر الاستعمار وإذلاله، ويخوضون حرب الاستقلال والتحرير من المحيط إلى الخليج، ويملكون القيادة القادرة على توحيدهم في مواجهة التحديات.
الآن يختلف الموقف.. ينهزم المشروع الأميركي للمنطقة ولكن ما هو البديل؟ ينكسر حلم الإمبراطورية الأعظم ولكن القوى الأخرى اضعف من المنافسة أو ملحقة على المشروع الأميركي، والعرب غائبون، والقوى الإقليمية الأخرى تتصارع لضمان مصالحها، و« الشرق الأوسط الجديد» يتم تشكيل ملامحه الآن.
هروب أميركي من الكارثة يترك العراق المدمر نهباً للتقسيم والحروب الطائفية والإرهاب الذي جاء مع الاحتلال الأميركي. وجهود من أميركا وحلفائها للسيطرة على الوضع في المرحلة القادمة من خلال فتح الملف الفلسطيني، وتسوية الموقف مع إيران بإعطائها الدور الذي تريده في العراق وفي المنطقة، ومحاولة حصار ما يجري في العراق حتى لا يمتد لباقي المنطقة، وتأمين مصادر البترول من المخاطر التي تتزايد.
لكن بريجنسكي يتوقع فترة تتزايد فيها احتمالات الفوضى والصراعات الإقليمية والداخلية. ومفكر آخر مثل ريتشارد هادس الذي كان صقراً في صفوف المحافظين الجدد رغم دعوته للانفتاح على إيران وسوريا وهو أمر أصبح مطروحاً بشدة من الديمقراطيين، إلا أنه يتوقع سنوات من تزايد العنف والإرهاب في المنطقة .
نعم.. التاريخ لا يعيد نفسه، و 56 بلا شك تختلف عن 2006.ولكن الدرس يبقى وهو..أن مصيرنا ومصير المنطقة ينبغي أن يبقى في أيدينا وليس في أيدي واشنطن أو لندن أو موسكو، أو حتى طهران أو أنقرة . هذا ما تعلمناه في حرب السويس فكان النهوض العربي. ونسيناه بعد ذلك فوصلنا إلى ما وصلنا إليه.
نقيب الصحافيين المصريين