ثلاث دول أوروبية رئيسية ـ فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ـ تجاوبت مع الاقتراح العربي لعقد مؤتمر دولي للسلام بشأن قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فهل تكلل الفكرة بالنجاح إذا أخذنا في الاعتبار المعيار الانتقائي الأميركي تجاه مبدأ التدخل الدولي في بؤر الأزمات العالمية؟
القوى الأوروبية الثلاث لم تكتف بتأييد الاقتراح الذي صدر عن اجتماع لوزراء الخارجية العرب مطلع الأسبوع الماضي، بل هي في الواقع تبنته وخلقت منه مبادرة نسبتها إلى نفسها. وتتضمن هذه المبادرة وفقاً لأعمال العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتبادل الأسرى كخطوتين ابتدائيتين، تمهيداً لعقد المؤتمر الدولي.
وربما يتوسع نطاق المبادرة إذا انضمت إليها دول أوروبية أخرى، ولكن أغلب الظن أن الولايات المتحدة لن تتخذ موقفاً معارضاً فحسب، بل إن من المتوقع أن تعمد إلى نسف المبادرة لمنع انعقاد المؤتمر الدولي.
الرؤية الأميركية الانتقائية تجاه التدخل الدولي هنا أو هناك باتت معروفة، فالولايات المتحدة تؤيد أحياناً مثل هذا التدخل وترفضه في أحيان أخرى اعتماداً على استراتيجيتها الذاتية، خاصة في ما يتعلق بأمن إسرائيل.
وعلى هذا النحو الانتقائي شنت الولايات المتحدة غزوها للعراق من وراء ظهر الأمم المتحدة. لكنها بعد الغزو رجعت إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار منه من أجل إضفاء شرعية دولية على الاحتلال، وبينما ابتدرت مشروع تدخل دولي عسكري في كل من لبنان وإقليم دارفور السوداني فإنها ظلت ترفض بكل ما أوتيت من قوة وعناد أي نوع من التدخل الدولي ـ عسكرياً كان أم سياسياً ـ على خط معالجة الوضع بين إسرائيل والفلسطينيين.
منذ إبرام اتفاق أوسلو في عام 1993 حرصت الولايات المتحدة على إظهار نفسها كوسيط حيادي ونزيه بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، بينما كانت تتصرف عملياً كشريك استراتيجي للدولة اليهودية. لكن لاحقاً منذ بداية ولاية الرئيس بوش الابن وحتى الآن نزعت واشنطن لإقناع نفسها نهائياً إلى درجة وصف الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين في أحياء سكنية بأنها «دفاع عن النفس».
والسؤال الذي يطرح الآن على خلفية المبادرة الأوروبية هو: ماذا تفعل الحكومات العربية من أجل إنجاح هذه المبادرة لكي يعقد المؤتمر الدولي للسلام؟
بكلمات أخرى: هل الحكومات العربية على استعداد لمواجهة مع الولايات المتحدة، إذا تبين أن واشنطن تسعى إلى نسف المبادرة كما هو متوقع؟
هناك سابقة غير مشجعة، فقد سبق أن تقدمت مجموعة الدول العربية بمشروعها الذي أطلقت عليه «المبادرة العربية للسلام في الشرق الأوسط»، وهو مشروع موضوع على أساس مبدأ «الأرض مقابل السلام» بمعنى جلاء إسرائيل عن الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، وفي المقابل تحصل على اعتراف عربي شامل بحقها في الوجود.
رفضت إسرائيل المشروع، وبالتالي رفضته أيضاً الولايات المتحدة، والآن وبعد أن ترفض واشنطن المبادرة الأوروبية من دون حدوث رد فعل عربي حازم، فإن الدول الأوروبية ستقول لنفسها: لن نكون ملكيين أكثر من الملك.