دون أدنى تردّد رفضت «إسرائيل» المبادرة السلمية الأوروبية الجديدة واعتبرتها غير موجودة أصلاً. ببساطة، وقبل الاطلاع على مكونات المبادرة وقبل أن تدرس أو أن تتسلم حكومة أولمرت نسخة مسودة عنها، جاء الرفض الإسرائيلي يرافقه فتور أميركي.
ثلاث دول أوروبية كبيرة هي إسبانيا وفرنسا وإيطاليا أعلنت عن مبادرة تقوم بداية على «وقف العنف» ومن ثم إحياء عملية السلام عبر مؤتمر دولي بصيغة ما قد لا تكون مشابهة للصيغة التي انعقد على أساسها مؤتمر مدريد قبل خمسة عشر عاماً، لكن أعداء السلام يحاولون إجهاض هذه المبادرة في المهد، كما حاولوا إجهاض مؤتمر مدريد قبل أن يعقد وخلال انعقاده وبعد انعقاده كذلك.
لا تختلف حكومة أولمرت عن حكومة إسحق شامير، وربما لا تختلف حكومة إسرائيلية عن أخرى يمينية كانت أو يسارية، أو حكومة «وحدة وطنية!»، فكل الحكومات على ما يبدو تخاف من السلام وغير قادرة على الوفاء بالتزاماته ومتطلباته.
وليس مبالغة القول: إن السلام يسبب الذعر والهلع لأصحاب المشروع الصهيوني وإن الإسرائيليين غير قادرين على تقبل فكرة السلام العادل والشامل ما داموا يبنون سياساتهم ومواقفهم على أساطير تلمودية تتحدث أساساً عن الدولة اليهودية «الصافية» الممتدة ما بين النيل والفرات، وعن شعب الله المختار الذي يجب أن يكون السّيد وكل شعوب الأرض يجب أن تكون أدواتٍ وعبيداً تنفذ رغبات هذا الشعب الذي اصطفاه الله ـ معاذ الله ـ كي يحكم ويتجبر ويقتل ويرتكب الموبقات ويمارس الإرهاب ويستبيح النساء والأطفال وفق ما هو مدوّن في تلمودهم.
فليس غريباً ـ والحال هذه ـ أن ترفض حكومة أولمرت المبادرة العربية، تماماً كما فعلت حكومة شامير عندما رفضت المبادرة الأميركية قبل خمس عشرة سنة خلت.
فإذا كانت «إسرائيل» ترفض حتى مبادرة حليفتها الاستراتيجية الوحيدة في العالم، فهل يحق لأحد أن يندهش إذا رفضت هذه الـ«إسرائيل» المبادرة الأوروبية قبل إطلاعها على فحواها؟!
لكن الغريب فعلاً أن يزعم قادة تل أبيب أنهم دعاة سلام، وأنهم يبحثون عن شريك وأن السلام كرقصة الفاس بحاجة إلى طرفين، وكأنهم الطرف الأول، في حين أن الحقيقة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنهم أعداء السلام، ودعاة حروب ودمار وزعماء الإرهاب بلا منازع.
اليوم الكرة لم تعدْ في الملعب الإسرائيلي الذي لم يعدْ أحد يعلق الآمال عليه، بل في الملعب الأوروبي والأميركي فإذا كان الاتحاد الأوروبي والدول صاحبة المبادرة الجديدة جادين في السعي لتحقيق السلام، وحريصين على إنهاء معاناة المنطقة من الحروب والإرهاب، فهم يعرفون اليوم من يقف في وجه السلام، ومن يرفض المبادرات السلمية، ولديهم من الوسائل ما يؤهلهم للدفاع عن مبادرتهم وعن السلام العادل والشامل؟.