هل يمكن قفل باب الخلافات العربية، والتعلم من تجارب نصف قرن كيف خسرنا جولات سياسية وعسكرية، وبتنا مثل جمهوريات الموز نؤكد للعالم ضعفنا، الذي وصل حداً مأساوياً لا يقاس حتى بالدول شبه البدائية، ونواجه قضايانا بإحساس المسؤولية، والشعور بالواجب تجاه أمتنا؟..
ثم لماذا وحدنا من تقسّمنا هوامش الأحداث، والبحث عن نصير، أو موال، أو حليف خارجي، ونرفض أن نجلس إلى طاولة واحدة نعالج مشكلاتنا من دون أحكام مسبقة، أو شكوك؛ لنضع أسساً متينة تبعد عنا بعض الهزائم، التي وصلت إلى حد الاعتداء، واستباحة الحدود، والركض خلف سراب حلول مجلس الأمن والأمم المتحدة، في قضايا هي من صلب اختصاصنا؟
نعرف أن حل الإشكالات العربية البينية يحتاج إلى عقول مدبرة، تزن كل الظروف والاحتمالات، بحيث لا نفتح جبهات مع خصوم أقوياء وفي الوقت نفسه لا نصل إلى حد الضعف؛ لنستجدي صدقة سياسية، أو موقفاً مطمئناً، مع أن المصالح وتأكيدها لا تقاس بالعواطف، وإنما بتوازن القوى، وهو ما فقدته الأمة العربية منذ أزمنة بعيدة بأسباب صنعناها بأنفسنا، وأقمنا عليها النواح والتشكي..
في طروحاتنا نقول: إن روابط التاريخ، واللغة، والدين، والجغرافيا، وغيرها، تؤكد وحدة مصير هذه الأمة، لكننا أمام الواقع نجد المذهب مقسوماً، والقومية متعددة، والقبيلة متقاطعة، والحكومات مسلوبة الإرادة.. وإقليمياً ليس بوسعنا أن نتعامل مع واقع يتقوى علينا؛ إذ صارت إسرائيل بحجم أمة الثلاثمئة مليون عربي، بمساحاتهم الجغرافية وتعدد قواهم، حتى صارت اللواء المدرب على هزيمتنا العسكرية والسياسية.. وما هو أخطر من ذلك كله، أن العتاب بين دولتين يتحول إلى قطيعة، ونقد المواقف المتهورة يصبح تدخلاً في شؤون داخلية، واعتداء على حرية بلد.. ومع ذلك حين نعود إلى الحقيقة نكتشف أن ميلاد الخطأ جاء من رحم هذه الأمة، وليس مولوداً خارجياً أو من أبوين مجهولين..
نحن في المملكة فتحنا كل الأبواب لتعديل الأخطاء وتصحيحها، وتحمل المسؤولية؛ بمبدأ أن التصرفات اللامسؤولة يمكن حلها بالمنطق، واستطعنا ترسيم الحدود الجغرافية مع كل الدول المجاورة، ولم نسمح أن نكون قنطرة تمر من خلالها الأدواء، أو تمرر من أجل خلق عداء مع دولة إقليمية، مهما تباينت السياسات؛ لأننا نحترم خصوصية الآخر وحرية تصرفه، وهذه السياسة المتوازنة لا تزال حية؛ لأننا نؤمن أن أقصر الطرائق إلى الحلول، هو الحوار البناء، والصادق، الذي عليه تبنى الأحكام..