سلوكيات مشجعي كرة القدم هي تعبير عن الحالة المجتمعية التي ينتمي إليها هؤلاء المشجعون، فمثلاً إذا كان المجتمع يعيش احتقانات وتوترات فإن سلوكيات الجماهير ستعكس ذلك فوراً، والعكس أيضاً كذلك. وهذا أيضاً ينطبق على مدى تقدم أو تخلف المجتمع والدولة محلياً وعالمياً في ميدان اللعبة، فمثلاً عندما انتزعت جنوب أفريقيا تنظيم بطولة كأس العالم المقبلة 2010 من كل من مصر والمغرب كان ذلك تعبيراً عن المكانة الدولية التي تحتلها تلك الدولة في ميدان الساحرة المستديرة، كذلك كان الحال عندما اقتسمت كل من اليابان وكوريا الجنوبية تنظيم البطولة في سنة 2002.
وفي هذا السياق يمكن القياس أيضاً على مكانة الأندية عربياً أو دولياً، فالأهلي مع الزمالك يمثلان قمة الكرة المصرية حتى ولو ظهر على السطح أحياناً أي من الفرق الأخرى، فالأهلي والزمالك توأمان متنافسان من أجل الأفضل للكرة المصرية، وهكذا كانت الجماهير تتعامل فيما بينها، كل منهما (الفريقان والجماهير) يشعر بذلك ومن خلفهما تتشكل الساحة الكروية الجماهيرية، فالفريقان يتنافسان داخلياً لكنهما يتكاملان معاً في المباريات العربية والدولية.
ولذا لم يكن غريباً أن يتشكل المنتخب القومي المصري في غالبيته من لاعبي الفريقين. وكانت جماهير كل فريق منهما تؤازر الآخر في أية منافسات خارجية، فهذا كان دوماً هو الظاهر، فمثلاً كانت جماهير الأهلي تؤازر فريق الزمالك في مبارياته الأفريقية والعربية، والأمر ذاته كان يحدث من جانب جماهير الزمالك، وسط تغني الجميع بحلاوة الروح الرياضية والتآزر والتلاحم والتسامح.
هذه المعادلة الثابتة والمستقرة تفسخت فجأة، أو هكذا بدا الأمر، إذ فوجئ كثيرون بأن جماهير الزمالك وعدداً من الفرق المصرية الأخرى انحازت إلى تشجيع الفريق المنافس للأهلي في نهائي بطولة الأندية الافريقية وهو صفاقس التونسي.
كان الأمر غاية في الغرابة، بل انقلاباً يشي بأن الوعي في الشارع يتخبط في تحديد أولوياته، أو أنه فقد بوصلته الصحيحة. الأمر هنا ليس متعلقاً فقط بالرياضة، فهذا الموقف الكروي هو تعبير عن حالة يعاني منها الوعي العام. فكرة القدم التي تمثل حالة فرح أحياناً وسط هموم الحياة اليومية، والتي تمثل عنصر توحد، انتقلت إليها أيضاً كل عدوى أمراض السياسة والاقتصاد. وكأن الأندية الرياضية تحولت أحزاباً أو تيارات سياسية. والأكثر غرابة كان انحياز الجماهير لفريق خارجي دون الشعور بالخجل، أو دون التمعن في مخالفة ذلك لما هو متعارف عليه مصرياً أو وطنياً في العالم كله.
فنحن مثلاً لم نسمع عن انحياز جماهير البرازيل لتشجيع فريق أرجنتيني وهو يلعب مع فريق من بلدها في مباراة مصيرية، ولم نسمع عن تشجيع الألمان لفريق فرنسي أو انجليزي يلاعب فريقا ألمانياً في نهائيات أندية أوروبا فالقاعدة العامة في الكرة وغيرها تقول «أنا وأخي ضد ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب».
هذا التحول الغريب في المزاج الكروي ليس كروياً خالصاً ولكنه تمرد على ما استقر عليه المجتمع، بل ربما هو محاولة للتفلت من الثوابت التي كفر بها عديد من الناس، وجماهير الكرة هم من عامة هؤلاء الناس، بل هم الناس الذين يمثلون أعماق المجتمع، بل هم أحجار الأساس، مما يعني أن التجزؤ نجح في الانقضاض على عمق المجتمع، وانه بسبيله لتفكيكه على مستوى الانتماء الرياضي مثلما نجح ـ إلى حد ما ـ على المستوى السياسي والاقتصادي، فمن كان يظن أن هناك شباباً مصرياً يذهب للعمل في إسرائيل؟ ومن كان يظن أن يصبح الإنسان المصري زبوناً لقوارب الموت في البحر المتوسط وهو يولي وجهه شطر أوروبا للعمل في أدنى المهن؟ ومن كان يظن أن يصاب العشرات من الشباب بحالة من السعار الجنسي ليطارد الفتيات والنساء في وسط القاهرة؟ إنها أمور كانت من تاسع أو عاشر المستحيلات.
ان المجتمع المصري يتعرض منذ سنوات لقصف متنوع من العيار الثقيل، انعكست نتائجه أحياناً في شكل احتقانات مختلفة مثل الاحتقانات الموسمية بين المسلمين والأقباط، والعنف الاجتماعي المتمثل في ظهور جرائم غير معهودة، والبلطجة خلال الانتخابات وفي تصفية الخلافات الحزبية والنقابية بين الحين والآخر.
ولا يمكن فصل السلوكيات الرياضية الأخيرة عن حالة الاحتقان العامة، فهو نوع من الاحتجاج أو الغضب الذي يعلي من شأن ما هو فئوي أو ذاتي على ما هو عام ووطني، حتى ولو كان على صعيد الانتماء. وهذا المسلك ليس سوى البداية لأن الساحرة المستديرة غير مضمونة لأحد، والملعب سيشهد الكثير من اللعب غير النظيف، سيعقبه مراراً رفع الكارت الأصفر ثم الأحمر. والعاقل من يحتاط للآتي.