أقبلت عدة دول عربية في السنوات الأخيرة على إلغاء وزارة الإعلام، وهناك دول عربية عديدة تفكر في نفس الاتجاه، هل يعني هذا أن صاحب القرار قد اقتنع أن عهد الإعلام الرسمي قد ولى وأن الإعلام الخاص سيقوم بالدور ويؤدي الواجب.

هل العيب في الإعلام الرسمي؟ أم في الذين يشرفون عليه؟ أم الخطأ يكمن في الفهم الخاطئ للإعلام الرسمي وكيفية إدارته وتسييره والاستفادة منه؟ هل يعني هذا أن دولا عريقة في الديمقراطية والتجارب الإعلامية المختلفة لا تملك إعلاما رسميا؟ تجارب دول الشمال تؤكد أن الإعلام الرسمي في الدول المتقدمة ما زال يملك حيّزا معتبرا في البيروقراطية الحكومية الرسمية والعديد من الإدارات الحكومية تملك ناطقا رسميا وبيروقراطية معتبرة تشرف على العلاقات المختلفة مع وسائل الإعلام ومع الجمهور، وهناك وزارات وإدارات حكومية تنظم يوميا ندوات صحافية ومؤتمرات ولقاءات مع وسائل الإعلام المختلفة. قد يتعلق الأمر بتسمية أخرى أي العلاقات العامة وهذا يعني أن بيروقراطية الدولة بوزاراتها ومؤسساتها المختلفة بحاجة إلى قنوات اتصال وإعلام قوية وفعالة لتمرير رسالتها والوصول إلى الرأي العام بكل مهنية واحترافية.

صحيح أن الإعلام الرسمي في الوطن العربي بقي إعلاما تقليديا، سلبيا ينتظر الأوامر ويخاف من الخطوط الحمراء، إعلاما تنقصه المبادرة والطرح الجريء والشجاع والصريح والبناء. فعشرات المؤسسات الإعلامية الرسمية في الوطن العربي وجدت نفسها في الأزمات والظروف الصعبة تغرد خارج السرب وتقدم خطابا إعلاميا يتناقض مع الواقع، خطابا لا يتناغم مع معطيات الثورة الرقمية والمجتمع المعلوماتي وعصر الفضائيات. وهكذا رأى العديد من النقاد أن الميزانيات الضخمة التي تخصص للإعلام الرسمي يفضل أن توّجه إلى جهات أخرى تستفيد منها في خدمة المجتمع.

تعالت الأصوات في المدة الأخيرة متسائلة عن دور وزارات الإعلام في الوطن العربي، وهل حان الوقت لانسحاب وزارات الإعلام من الساحة الإعلامية لترك الفضاء الإعلامي للقطاع الخاص وتحريره من سلطة الدولة وجبروت الحكومات.ويرى البعض أن ثورة المعلومات والثورة الرقمية والعولمة بتداعياتها المتشعبة والمختلفة تحتم على الحكومات العربية أن تتأقلم مع الظروف الجديدة وتترك الشأن الإعلامي للقطاع الخاص.

أسئلة عديدة تطرح نفسها في هذه الإشكالية ومنها: هل تتوقف مهام وأنشطة وصلاحيات وزارات الإعلام في الرقابة والحذف ووضع الخطوط الحمراء؟ هل تؤدي خصخصة الإعلام في الوطن العربي إلى استقلاليته ومهنيته واحترافيته؟هل يؤدي إلغاء وزارات الإعلام إلى عدم تدخل السلطة في المؤسسات الإعلامية؟كيف ستكون أهداف الإعلام الخاص الربح، المصلحة العامة، أم ماذا؟ من سيتولى الإشراف على السياسة الإعلامية العامة في المجتمع في غياب وزارة الإعلام؟

هل من مجتمع مدني قوي وفعال يراقب ويتابع القطاع الإعلامي الخاص في أداء مهامه وفي التجاوزات أو التناقضات التي قد يقع فيها؟ هل من نقابة للصحافيين والممارسين والقائمين بالاتصال في الوطن العربي تحمي المهنة والمهنيين من أطماع وتسلط القوى السياسية والمالية في المجتمع من الاستحواذ على المؤسسة الإعلامية وتوجيهها في الاتجاه الذي يخدم مصالحها على حساب المصلحة العامة.هل هناك فصل بين السلطات في المجتمع العربي بإمكانه أن ينصف المؤسسة الإعلامية ويجعل منها سلطة رابعة؟

يرى البعض أن خصخصة قطاع الإعلام وانسحاب القطاع العام من عملية الإشراف على المؤسسات الإعلامية سيؤدي إلى تحرير الممارسة الإعلامية في الوطن العربي من الرقيب ومن الممارسات العديدة التي من شأنها تقويض حريات الفكر والرأي والتعبير. مع الأسف الشديد جاء القطاع الخاص للمجال الإعلامي في الوطن العربي ولم يخرج عن القواعد والممارسات المعهودة وبقيت آليات الرقابة والتحكم والتملق والتسبيح على حالها. وبقيت الرسالة الإعلامية بسيطة، ضحلة بعيدة عن اهتمامات ومشاكل وهموم الشارع العربي.

أفرز القطاع الإعلامي الخاص رسالة إعلامية بعيدة من الصحافة التي ينتظرها القارئ العربي صحافة مسؤولة تعتمد الاستقصاء والتحقيق والكشف عن التناقضات والفساد والرشوة والأمراض الاجتماعية المختلفة.إلغاء وزارات الإعلام وانسحاب الحكومة من القطاع الإعلامي لا يعني بالضرورة تحريره، لأن حرية الممارسة الإعلامية تتطلب أكثر من تحرير ملكية الوسيلة الإعلامية، فهي تتطلب ذهنية وثقافة وممارسة ومجتمعا مدنيا ومواثيق شرف ونقابات مهنية ورأيا عاما يكون في مستوى الحرية ومتطلباتها. وكم من مؤسسة إعلامية خاصة خرجت عن أصول الممارسة السليمة وذهبت تجري وراء الربح السريع والسهل والإعلانات الهابطة والتملق لجهات تجني من ورائها مكاسب.

الكلام عن حرية الصحافة في غياب مجتمع مدني فعال وقوي يعتبر ضربا من الخيال، المؤسسة الإعلامية هي مرآة المجتمع وهي انعكاس لنظامه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والديني...الخ. والممارسة الإعلامية لا تستطيع أن تخرج عن نطاق النظام التي توجد فيه وتعيش مشاكله وهمومه وتناقضاته. فحرية الصحافة واستقلاليتها لا نحققها فقط بالتشريعات والقوانين أو بتغيير ملكية المؤسسة الإعلامية من القطاع العام إلى القطاع الخاص وبإلغاء وزارات الإعلام، ولو كان الأمر كذلك لتسارعت دول العالم قاطبة لإلغاء وزارات الإعلام والانسحاب الكلي من المجال الإعلامي.

فحتى الدول العريقة في الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة تترك دائما مجالا تشرف من خلاله بطريقة أو بأخرى على قطاع الإعلام سواء كان ذلك في الولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا أو فرنسا أو غيرها من الدول ذات الخبرة والتجربة والعراقة في الممارسة الإعلامية. وسيكون من الخطأ الفادح الاعتقاد أن مهام وأنشطة وزارات الإعلام تتحدد في بيروقراطية سلبية همها الوحيد هو تسويق صورة إيجابية عن النظام السياسي. الواقع يقول غير ذلك حيث إن مهام وزارات الإعلام تتخطى النظرة البراغماتية الضيقة لتشمل مهام هامة وإستراتيجية وخاصة في الدول النامية.

فإذا كانت الممارسة السياسية غائبة، والمجتمع المدني بمكوناته وشرائحه ونقاباته واتحاداته غائبا فكيف نأمل في مؤسسة إعلامية خاصة أن تقوم على المهنية والاحترافية وحرية الصحافة.

ونتساءل هنا هل من منظمات وجمعيات ومؤسسات غير حكومية تراقب وتنتقد مخرجات المؤسسات الإعلامية الخاصة في دولنا العربية كما هو معمول به في الدول الديمقراطية؟ هل من نقابات للصحافيين في الوطن العربي تدافع عن الصحافي وعن المهنة؟ هل من مجتمع مدني يساند المؤسسة الإعلامية والقائم بالاتصال في النضال اليومي من أجل البحث عن الحقيقة وتقديمها للرأي العام؟

حرية الصحافة ثقافة وممارسة وفكر وتصرف يومي يسلكه الفرد ويعتز به ابتداء من البيت إلى المدرسة إلى المسجد إلى الجامعة إلى المؤسسة إلى الحي إلى المجتمع ككل، وحرية الصحافة هي جزء لا يتجزأ من الديمقراطية والرأي العام في المجتمع وبدون رأي عام قوي وفعال لا تستطيع المؤسسة الإعلامية أن تقوم بمهامها ومسؤولياتها على أحسن وجه.

ويجب أن نعي جيدا أن مهام وزارات الإعلام لا تتحدد في فرض الرقابة على المؤسسات الإعلامية ورسم الخطوط الحمراء والتدخل السافر في الفضاء الإعلامي، بل مهام وزارات الإعلام، تتمثل في وضع إستراتيجية واضحة المعالم بهدف إرساء قواعد التنمية المستدامة والاستثمار في وعي الإنسان وتكوينه وثقافته. لأن رأسمال أي دولة يتمثل في شعبها وقدرة الإنسان فيها على الحوار والنقاش وصناعة المعرفة والتعاطي معها من أجل رفاهية المجتمع وازدهاره وتقدمه وأمنه وسلامته.

كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة