كان الأسبوع الماضي حافلاً بالأحداث والمواقف، سريعاً في إيقاعاته وتفاعلاته، قوياً في أفعاله وردود أفعاله، جاء ليرسم صورة عالمية وعربية تشق فيها خطوط الضوء المستقيمة سطح خلفيتها المعتمة، وتلمع فيها بقع اللون البيضاء خصما من مساحة الأرضية السوداء، بينما بقيت في الصورة مناطق يختلط فيها الأبيض بالأسود، صراعاً لا عناقاً، بدرجات رمادية.

جاءت أحداث الأسبوع الماضي في الواقع تداعيات لأحداث الأسبوع الذي سبقه والذي كان أبرز ما فيه أحداث مجزرة «بيت حانون» في إطار العدوان الإسرائيلي بدعم أميركي على غزة، وهزيمة الحزب الجمهوري بأصوات المقاومة العراقية كرد فعل لفشل سياسات الرئيس بوش وإدارته وحزبه وبداية غروب الشمس الأميركية في كل مكان، في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان وسوريا وإيران وكوريا والسودان، وأيضا في أميركا اللاتينية.

جاءت أول أحداث الأسبوع يوم السبت الماضي بإشهار سلاح الفيتو الأميركي ليس في وجه العرب والمسلمين فقط ولكن في وجه العالم كله، حيث كان المندوب الأميركي، المعروف بصهيونيته والذي بات يتحسس رقبته مع انتظار إقالته، بعد بداية تساقط المحافظين الصهاينة بعد رامسفيلد وحيدا ومعزولا في موقفه الشاذ بتأييد المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، وهو الموقف غير المفاجئ الذي عارضته فرنسا ولم تجرؤ حتى بريطانيا تأييده.

لقد تعود الأميركان والصهاينة أن العرب يسارعون في أعقاب كل عدوان عليهم بالشكوى إلى مجلس الأمن الدولي ليرتطم رأسهم بحائط الفيتو الأميركي، ويعلو الصراخ بعدها قليلا ثم لا رد فعل سوى الصمت انتظاراً لمعاودة الكرة مرة أخرى كلما عاودت «ريما» الصهيونية اعتداءاتها القديمة، وبعدما تعاود «أم ريما» الأميركية في كل مرة استخفافها بالعرب والعالم.

غير أن المفاجأة الإيجابية المضيئة جاءت في اليوم التالي من داخل «بيت العرب» في القاهرة لأمن «حكومة العالم » في نيويورك بإصدار وزراء الخارجية العرب أول «فيتو عربي »منذ سنوات ضد الفيتو الأميركي بالإعلان في ثلاثة قرارات محددة وحاسمة تحمل ثلاث رسائل سياسية في غاية الأهمية لإسرائيل وأميركا والعالم..

الأول «كسر الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني فورا» ردا على العدوان الإسرائيلي بدعم الشعب الفلسطيني.

والثاني «دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة للاجتماع تحت عنوان «الاتحاد من أجل السلام »، ردا على الانحياز الأميركي للمعتدين بتجاوز مجلس الأمن المشلول. والثالث «بالدعوة لمؤتمر دولي جديد لحل القضية الفلسطينية »ردا على صمت الرباعية الدولية بوضع الملف أمام العالم.

غير أن الرسالة الأهم هي التي لم ينص عليها قرار محدد والتي كانت موجهة للشعب العربي، وهي أن الأمة العربية لم تمت بعد حتى وإن مات الضمير العالمي، وحتى وإن ماتت عملية السلام وشيعت موتا، وأن العمل العربي المشترك يستطيع أن يفعل شيئا إيجابيا يدلل به على حيوية الأمة إذا توفرت لدى الحكومات إرادة الفعل حتى وإن تأخر الفعل، وحتى لو جاء أدنى من المطلوب.. لكن المؤلم أن هذه الإرادة لا تأتي عادة إلا بعد وقوع المجازر!

ولأن الفيتو الأميركي كان اعتراضا على مشروع قرار قدمته المجموعة العربية ودعمته المجموعة الإسلامية، ومجموعة عدم الانحياز، ولم تعارضه أي من دول العالم الأعضاء في مجلس الأمن بما فيها الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن، فإن أميركا وضعت نفسها أمام العالم في موقع الشريك في العدوان، والمتهم بإساءة استخدام السلطة، والمتحدية للأمم المتحدة، بما يفقدها أهلية الدولة الكبرى المسؤولة، ويدعو العالم لسحب الثقة منها بل ومحاسبتها إلى جانب إسرائيل في الجمعية العامة.

لهذا وفي الطريق إلى اجتماع برلمان العالم المرتقب في إطار «الاتحاد من أجل السلام»، وهو ما طالبنا القمم العربية والإسلامية باللجوء إليه في مقالات سابقة، يتطلب الإعداد لهذا الاجتماع عقد اجتماع طارئ لوزراء خارجية الدول الإسلامية، وعقد اجتماع طارئ لوزراء خارجية عدم الانحياز، وذلك للخروج بقرار واحد، سبق أن طالبنا به أيضا لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وهو إعادة جدولة قرارات الأمم المتحدة ووضع جدول زمني لتطبيقها حسب أسبقيتها التاريخية.

إن ذلك من شأنه تعبئة الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ليكون اجتماع الجمعية العامة القادمة تعبيرا عن قرار عالمي وليس عربيا فقط، وتحصينا للاجتماع من أية محاولات لإجهاضه مثلما حدث عندما توجهت المجموعة العربية وحدها من قبل إلى مجلس الأمن على المستوى الوزاري لوضعه أمام مسؤولياته بالنسبة للقضية الفلسطينية وأحبطته الضغوط الأميركية.

وذلك من شأنه أيضا أن يعكس إصرار العالم على أن يكون هذا الاجتماع تاريخيا وضاغطا وفاعلا بقرارات لها قوة الإلزام يكون فرصة لإصلاح النظام الدولي والعمل على نقل صلاحيات مجلس الأمن المشلول إلى الجمعية العامة وإلغاء حق الفيتو بعد إساءة استخدامه من قيل الولايات المتحدة فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي فقط 38 مرة.

كما أن الحشد الدولي بمشاركة المجموعات الدولية التي دعمت المجموعة العربية في القرار الذي اعترضه الفيتو الأميركي غير المتوازن الثامن والثلاثون في بداية يمكنه الخروج بقرار آخر في غاية الأهمية وهو عدم التزام دول المجموعات الثلاث بتنفيذ أي قرار لاحق من مجلس الأمن ما لم يبدأ في تطبيق قراراته السابقة بالترتيب وأولها القرار194 الخاص بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وفي التعويض.

إن هذه الفرصة لا ينبغي لها أن تتعرض للإجهاض، وينبغي بذل الجهد بتحرك عربي نشيط من الترويكا العربية والترويكا الإسلامية والترويكا غير المنحازة حتى تكون الجمعية العامة ساحة محاكمة للصهاينة الإسرائيليين المعتدين الذين يتحدون الشرعية الدولية، وللصهاينة الأمريكان المشاركين الذين يشلون فاعلية الشرعية الدولية عن حفظ الأمن والسلم في العالم.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com