اختتمت في الخامس عشر من نوفمبر عام 2006 فعاليات المؤتمر الأول لمنظمة المرأة العربية المنعقد في المنامة عاصمة مملكة البحرين. ويأتي انعقاد مثل هذا المؤتمر بعد ست سنوات حافلة بالتحديات والمصاعب والانجازات التي قطعها هذا المشروع السياسي والنهضوي والذي يضع على عاتقة مسؤولية النهوض بدور المرأة والدفاع عن حقوقها ومكانتها في المجتمع ككيان متساو مع الرجل في الحقوق والواجبات. يأتي مؤتمر منظمة المرأة العربية في البحرين في ظروف متميزة حيث تشهد البلاد حالة من التنافس الانتخابي تكون المرأة البحرينية علامة من علامات ذلك التنافس حيث تشارك أسماء عديدة من النساء في انتخابات البلدية والمجلس النيابي.

ويعملن بكل طموح من اجل تحقيق الذات والبرهنة على أن المرأة البحرينية شريك حقيقي في تنمية البلاد وفي تعزيز المشروع الإصلاحي والذي من ابرز ركائزه ممارسة الديمقراطية كجزء من مشروع استراتيجي يترافق مع التنمية فبدون الديمقراطية في مجاليها الاجتماعي والاقتصادي لا تتعزز تنمية حقيقية وبدون تنمية حقيقية تتحول الديمقراطية إلى مجرد محاور سياسية وحوارات سجالية تدور في الفراغ. ما شهدته قمة المنامة بحضور السيدات الأوليات يعزز حقيقة جديدة في الألفية الثالثة «بأن وضع المرأة صار يقلق كل المراتب الاجتماعية الرسمية والأهلية.

وصارت المرأة العربية جزءاً من ذلك الوضع المتردي للمرأة في العالم خاصة الدول النامية والتي ينبغي نقلها من حالة الركود والجمود والتخلف والعزلة والفقر والأمية إلى المزيد من المشاركة والانخراط في عملية التنمية المجتمعية المستدامة، فبدون مشاركة المرأة الكاملة في المشاريع الحضارية الكبرى للتغيير تصبح كل برامج التنمية والتطوير برامج وخططا فاشلة وناقصة.

ولكي تنطلق منظمة المرأة العربية بصورة صحية وسليمة في معالجة التحديات والظواهر المستفحلة في حياة النساء، فان الإجراءات لا تبدأ فقط من الأحلام والرغبات والقرارات الفوقية وحسب، بل بجعل منظمات المجتمع المدني وخاصة المنظمات النسوية بكافة توجهاتها وأشكالها في اللعب والمساهمة بصورة ديناميكية، وإذا ما تم عزل وإقصاء القاعدة العريضة من النساء في لعب دور الشريك الحقيقي للمؤسسات الرسمية فان مصير التغيير سيكون هامشيا ومحدودا .

كما عرفته كل القمم والمؤتمرات العربية السابقة للنساء وغير النساء، حيث تم تجميد ونسيان التوصيات في أدراج الأنظمة العربية وحكوماتها الرشيدة خلال أكثر من نصف قرن مرت بها المنطقة العربية بطوفان من الأحداث جعلت بعض الأنظمة تتصارع وتدخل في محاور وتحالفات سياسية أثرت على تنمية وحراك المنظمات الجماهيرية ومن ضمنها المنظمات والاتحادات النسوية العربية، فقد تداخل الإيديولوجي بالسياسي مثلما تداخل الديني بالثقافي فتصادمت بعض الأنظمة العربية وتعطلت المشاريع النهضوية والتنويرية التي عرقلت بالنتيجة تطور المرأة وتقدمها في الحياة السياسية والتنموية.

ما ناقشه الخبراء الدوليون في أروقة الأمم المتحدة والعالم الثالث والحر وفي جامعتنا العربية والمنظمات الأخرى الإقليمية والدولية والمحلية من قضايا ومحاور تهم المرأة بدت كلها ركاما من الأوراق والبحوث المنسية كاضبارات مغبرة في مخازن النسيان، وكلما نفضت الحياة والأحداث الدولية عنها قضية عاجلة وجدنا أنفسنا نعود للحلقة المفرغة ونكرر أغنية الحقوق والمساواة بين الجنسين، ونستعرض عللنا وإخفاقاتنا ونمر من جانبها بحياء تحاشيا من فضائح الحقيقة التي تجسدها الأرقام المخيفة في العالم العربي عن حقيقة أوضاع المرأة، والتي تتعرض لثلاثة مستويات من الاضطهاد والتمييز التاريخي.

الأول اضطهاد الرجل للمرأة على مستوى العائلة نتيجة الموروث البعيد والمستمر.

والثاني اضطهاد المجتمع ببناه المختلفة ومؤسساته المتنوعة وفي مقدمتها المؤسسة الدينية المتزمتة، والتي تحولت إلى سلطة ثقافية وروحية ويومية على حياة المجتمع وفي أولوياتها تحجيم حراك المرأة تحت مسميات وذرائع كثيرة لا يقبلها العقل المعاصر ولا متغيرات العصر وشروط التنمية والتقدم المتسارع والملح.

أما المستوى الثالث من الاضطهاد والمحاصرة فيأتي من المؤسسة الرسمية والتي بهذا القدر أو ذاك تدخل في مساومات معلنة وغير معلنة مع المؤسسة الدينية بهدف تحاشي السلطة السياسية في الدول العربية الصدام السياسي مع تلك القوى الظلامية فيصبح التنازل والمساومة على حقوق النساء والثقافة.

ان تداخل مصالح السلطة الدينية مع مصالح السلطة السياسية في كثير من دول العالم العربي تعتبر واحدة من تلك الثنائيات المتناقضة والمعقدة، والتي يتم فيها دائما النزاع المتواصل تاريخيا يتم فيه تارة تنازل ومساومة السلطة الدينية مع السلطة السياسية شريطة ديمومة سيطرة المؤسسة الدينية في مستويات معينة على قيم المجتمع تحت حجة الدفاع عن التقاليد والأخلاق والشرائع السماوية والفضيلة المنتهكة من قيم العالم الخارجي.

ذلك الاخطبوط الذي يتم التهويل والتضخيم من حقيقته بهدف حماية تلك المؤسسة لمصالحها المعرضة للخطر، بينما نجد المؤسسة السياسية كسلطة سائدة ومهيمنة في مرات عديدة تتعاون وتتواطأ مع المؤسسات الدينية كشريك في تقاسم المصالح المجتمعية والسياسية، وتصبح المرأة قضية من قضايا تلك المساومة والتواطؤ السياسي والتعاون المؤسساتي بين سلطتين روحية وسياسية، دنيوية ودينية تحاك منهاالتسويات على حساب التطور والتغيير المتسارع في حضارتنا الراهنة.

ما تتعرض له النساء من تحديات كثيرة لن يحقق لها الرغبات والأحلام فتلك مسافة بعيدة وعميقة الأغوار عن حقائق التاريخ وواقع الحال، غير أن الحركة الماراثونية للنساء ينبغي عليها أن تنطلق من اجل المساواة بهز الشجرة العاقرة من كل أطرافها وبقرع النساء لطبولهن من القاعدة حتى القمة، فلا يوجد في التاريخ حراك سياسي ومكاسب حقيقية أنجزت انطلاقا من الأحلام وإنما من خلال فعل حقيقي رسخته النساء بدموعهن ودمائهن ومعاناتهن وكفاحهن طوال التاريخ.

ما تشهده المرأة في التنمية من تحديات عديدة يشكل التعصب الديني والتقاليد البالية من أكثرها سياجا وتطويقا لحقوقها الدستورية كمواطنة تتمتع بشراكة متساوية دون تمييز بين الجنسين، غير أن واقع الحال يعكس بالأرقام حقائق مفجعة تكون المؤسسة الدينية ـ المحافظة منها تحديدا - عقبة كأداء في التنمية والتغيير، بل ويقلقنا وتقلق حضارتنا ليس الإرهاب الذكوري وحسب بل وانخراط المرأة في ثقافة الموت والانتحار والمفخخات كظاهرة جديدة، مما يؤكد على تغلغل الإرهاب في صفوف النساء ونقلهن من ثقافة التنمية إلى ثقافة الانتحار والقتل والدماء إما قاتلة أو مقتولة، وهنا المعضلة التراجيدية الكبرى حين تتحول حواء الأم رمز الخصب إلى رمز التدمير والطوفان فتفقد أهم سمة غريزية كونية منحت لها كرمز للجمال والحب والصبر والتضحية من اجل الحياة وليس الموت.

كاتب بحريني