بدأ الاختبار العملي لمصداقية الحكومات العربية بشأن إعلانها الجماعي بكسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني. فقد قررت البنوك العاملة في إحدى الدول العربية أنها لا تعتزم التجاوب مع حكوماتها. وبما أن الأرجح هو أن يتكرر هذا الموقف في سائر الدول العربية الأخرى فإن تساؤلات عديدة سوف تنشأ من بينها ما يلي:
ـ هل كانت الحكومات العربية جادة عندما اتخذ وزراؤها قرار كسر الحصار على صعيد الجامعة العربية؟
ـ إذا افترضنا أن الحكومات جادة، فهل يعني تمرد البنوك أن الحكومات العربية عاجزة عن فرض إرادة سلطوية على القطاع المصرفي لديها؟
لقد نقلت وسائل الإعلام العالمية عن مسؤول مصرفي عربي أنه لا يعتقد أن البنوك العربية ستكون قادرة على تطبيق قرار كسر الحصار دون الرجوع إلى ما أسماه «الأطراف الدولية ذات الصلة» مشيراً بالتحديد إلى «اللجنة الرباعية الدولية» المختصة بقضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي». ومضى هذا المسؤول المصرفي إلى القول إن البنوك العربية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة لن تقدم على كسر الحصار «خوفاً من إجراءات انتقامية إسرائيلية».
ماذا يعني هذا التوجه؟
يعني أولاً أن للبنوك العربية مرجعية سياسية فيما يتعلق بعملياتها المصرفية الدولية. وثانياً أن هذه المرجعية ليست الحكومات العربية وليست السلطة الفلسطينية.
هذا بدوره يؤدي إلى تساؤل إضافي عما إذا كانت الحكومات العربية والبنوك العربية متواطئة مع اللجنة الرباعية الدولية ومع إسرائيل في عملية الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني.. وما إذا كانت قيادة السلطة الفلسطينية شريكاً في هذا التواطؤ. والتساؤل يقودنا إلى سؤال سابق عليه من حيث الترتيب الزمني، وهو: لماذا شاركت أصلاً الحكومات العربية وبنوكها والسلطة الفلسطينية في تطبيق حصار على الفلسطينيين فرضته الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال اللجنة الرباعية الدولية؟
إن التصرف الأميركي الإسرائيلي مفهوم، فمن وراء فرض الحصار تهدف الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إفشال حكومة «حماس» المنتخبة لإجبارها على الاعتراف بالدولة اليهودية» و«نبذ العنف» أي أسلوب المقاومة المسلحة ـ والإقرار باتفاق أوسلو وإفرازاته العملية.
إذن فلماذا تتعاون معظم الحكومات العربية في إنفاذ الحصار ما لم تكن متواطئة سياسياً مع الهدف الأميركي الإسرائيلي؟
إجماعياً أصدرت الحكومات العربية بيانها الذي تعهدت فيه بكسر الحصار ولكن يبدو الآن أن من هذه الحكومات من أومأ إلى البنوك العاملة في بلاده بأن تواصل تعاونها مع القوى التي فرضت الحصار. كان بياناً بلاغياً ليس إلا، أرادت به هذه الحكومات تسجيل موقف إعلامي بعد أن استخدمت الولايات المتحدة سلاح الفيتو على صعيد مجلس الأمن الدولي لإحباط مشروع قرار عربي يقضي بإدانة المذبحة الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة.
ويبقى تساؤل أخير بشأن السلطة الفلسطينية حيال فروع البنوك العاملة في غزة والضفة، فلكي تنفي عن نفسها عملياً شبهة المشاركة في عملية الحصار ضد شعبها فإن عليها أولاً أن تصدر بياناً رسمياً يفضح البنوك العربية.. وثانياً أن تتخذ إجراءً بإغلاق فروعها في الأراضي المحتلة.. أو على الأقل توجيه إنذار إليها بهذا المعنى.