لا ترهقوا أنفسكم.. فإسرائيل لا تريد سلاماً. وإذا كانت تريده فهو السلام الذي يوفر لها الأرض والمستوطنات ويتيح لقواتها أن تصول وتجول وتقتل من تشاء عند اللزوم. وإذا كنا نحن العرب قد اخترنا أن يكون السلام هو خيارنا الاستراتيجي، وفي سبيل ذلك نروج لشعار «الأرض مقابل السلام»، فإسرائيل تقوم إستراتيجيتها علناً على التوسع والاستيطان وشعارها هو «الأمن مقابل السلام».

تريد أمنها وسلامتها على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، ومن تسول له نفسه أن يقاوم الاحتلال ـ رغم أن هذا حق مشروع طبقاً للمواثيق الدولية ـ فآلة القتل الصهيونية له بالمرصاد هو وأسرته بل وكل آمن في بيته حتى لو كانت امرأة أو طفلاً رضيعاً، كما حدث خلال مذبحة بيت حانون، وتريد من وراء ذلك، ألا يجرؤ أي فلسطيني على أن يسعى إلى المطالبة بحقوقه المغتصبة.

وأول من أمس، أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثاباتيرو مبادرة للسلام في الشرق الأوسط، تنص على وقف فوري لأعمال العنف بين إسرائيل وفلسطين وتبادل للأسرى وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية وإرسال مهمة استطلاعية وأخيراً عقد مؤتمر دولي للسلام في المنطقة.

وكانت حيثيات ثاباتيرو والأسباب التي دفعته إلى هذه المبادرة ـ التي تحمل اسمه ويتبناها شيراك ورئيس وزراء ايطاليا رومانو برودي ـ ان السلام في الشرق الأوسط يعني إلى حد كبير السلام على المستوى الدولي، وان الاستقرار والأمن في المنطقة ـ على حد تعبيره ـ يعني الاستقرار والأمن في العالم. ومن جانبه قال شيراك ان الوضع يزداد مأساوية بمرور كل يوم. أما برودي فيرى أن الهدف من المبادرة هو الخروج من الموقف الحالي المتدهور وإعداد عملية سلام للمنطقة. فماذا كان رد طرفي القضية التي طال أمد تعثر تسويتها حتى باتت مستعصية على أي حل؟

الفلسطينيون ـ الذين يحملون دوماً غصن الزيتون لم يرفضوا من قبل أية مبادرة بما فيها خارطة الطريق المحفوظة على الأرفف الآن لتجاهل إسرائيل لها ـ رحبوا بالمبادرة الجديدة. وقال نبيل أبو ردينة المستشار الإعلامي للرئيس الفلسطيني إن خارطة الطريق تتضمن الدعوة لمؤتمر دولي للسلام.

وعلى النقيض من ذلك، سارعت إسرائيل إلى رفض المبادرة بمجرد أن تحدثت عنها وسائل الإعلام زاعمة أنها جاءت في غير محلها حسب تعبير الناطقة باسم خارجيتها، التي قالت ان إسرائيل تفضل التفاوض المباشر مع الفلسطينيين وان المبادرة لم تخرج باسم الاتحاد الأوروبي ولم يتم إطلاع إسرائيل عليها. ونقلت صحيفة هآرتس عن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني قولها لنظيرها الاسباني ميجيل أنخيل موراتينوس إن إسرائيل لا تقبل مبادرة لم يتم التنسيق معها بشأنها مسبقاً.

وأضافت الصحيفة الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن إسرائيل لا تتعامل مع المبادرات الخاصة. ومسؤول آخر في الخارجية الإسرائيلية رفض هذه المبادرة وقال بتعال «ان إعلان ثاباتيرو عنها متسرع».

هكذا، لا تريد إسرائيل السلام الذي ينشده العالم. وعندما تزعم أنها تريد تفاوضاً مباشراً مع الفلسطينيين، فإنها تخدع العالم، فالفلسطينيون لم يتأخروا لحظة عن نداء السلام. إسرائيل هي التي تهرب وتتملص، وحتى عندما تعرضت للضغوط منذ ثلاثة أعوام لقبول خارطة الطريق، وضع عليها رئيس وزرائها السابق ارييل شارون 14 تحفظاً، كلها كفيلة بنسفها أو تجريدها من مضمونها. بل ها هي اللجنة الرباعية الدولية صاحبة «الخارطة» ـ والتي تتمسح فيها إسرائيل ـ تجتمع وتنفض ولاتصل إلى شيء يدفع مسيرة السلام إلى الأمام.

لقد حمل الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبيل إطلاق المبادرة الأوروبية غصن السلام إلى إسرائيل، إذ أبدى استعداده لمفاوضات جادة مع إسرائيل وقبله أطلق العرب جميعاً نداء السلام بالدعوة إلى مؤتمر دولي. ولكن لا حياة لمن تنادي. وعلينا ألا نعجب. فالذين يرتكبون المذابح ضد النساء والأطفال، ويبحثون عن وسائل جديدة للقتل ومنها ما سمي بالأمس «الدبور الخارق» وهو روبوت موجه يستهدف قتل الفلسطينيين، لا يمكن أن يصنعوا سلاماً على الإطلاق.