من يقرأ صحفنا أمس يشعر أن القوم مصابون بالذعر. هذا يقول لا جزع من تعديل الدستور. وآخر يقول لا نية لحل مجلس الأمة وتعديل الدستور, وثالث يقول لا حل دستوريا او غير دستوري للمجلس. ورابع يقول أن القول أن بعض أبناء الأسرة يسعون إلى تغيير الدستور »كلام فاضي«, وأن هناك من كذب على نفسه وصدق كذبته... هذا الذعر من أخبار عن تحركات لتغيير الواقع السياسي وتطويره لماذا كل هذا الخوف منها, ولماذا كل هذا الارتجاف وانعقاد الألسن?
الدساتير والقوانين في العالم كله تخضع للتطوير والتعديل والاضافات من أجل مواءمتها مع الوقائع السياسية المتحركة, ومع حالة الارتقاء الدائمة للمجتمعات. جمود النصوص يستدعي تجاوزها بقوة الامر الواقع, فإما تنكسر وتتطور وتعطي التشريع الوضعي قوة وقابلية التنفيذ, او أن يدعها الناس وراءهم فلا تعود صالحة للفصل في أوضاعهم وما يسودها من خلافات ويعتريها من طموحات.
في اعتقادنا أن المذعورين من تعديل الدستور وتطوير القوانين, وتحديث الحياة السياسية العامة, هم المستفيدون من الوضع الحالي المتجمد, والذي رتبوا عليه امتيازات ومكاسب يعتقدون أنهم سيخسرونها في حال انطلقت عملية الاصلاح والتطوير. ولو أن هناك من يصاب بالذعر ويعشق الجمود في فرنسا مثلا, لما قامت فيها خمس جمهوريات, وكذلك الأمر في الولايات المتحدة التي يتعدل فيها الدستور على مدار السنة, وفي بريطانيا حيث القوانين عرضة للتحديث مع مطلع كل شمس. المذعورون هم فئة قليلة متمصلحة توحي للآخرين وكأنها تمثل كل الناس, بينما واقعها يقول أنها لاتمثل الا نفسها.
الناس يريدون شكليات سياسية جيدة ومرنة, تلغي المتاجرة والبازارات, وترفض وضع العصا في عجلة الحاكم لمنعه من الحكم... الناس يريدون الأفضل لحياتهم ولواقعهم السياسي, ويريدون علاقات تعاون جيدة بين السلطات وفق اللعبة الديمقراطية الصحيحة, حيث الاغلبية تحكم, والاقلية تعارض وتحكم الرقابة على الذين يتولون سلطة التنفيذ.
هل نريد نحن الديمقراطية هذه, كما يريدها الناس, وهل نريد التحديث والتعديل والتطوير والتغيير نحو الافضل كما يريد الناس ايضا?
ثم ألا يستحق دستورنا وقوانيننا التطور وإعادة النظر نحو الأفضل والاحسن, وبما يضمن احتواء فضفاضا لحركة مجتمعنا الحيوي المتجهة دائما إلى الامام?
نحن نعيش في أزمة حقيقية, فكل مشاريعنا واقفة, وحياتنا الدستورية والسياسية متجمدة عند ما كتبه لنا السنهوري منذ أكثر من أربعة عقود, وكل ما يدور في اهتمامنا هو زيادة الرواتب وإسقاط القروض, وزيادة القروض الاسكانية, وطبيعي ان نرى القيامة قائمة فينا لان من لم تسقط الديون عنه, وسددها بدأ يطالب بمساواته بغيره الذي اقترض ولم يسدد بقوة الاعفاء, وبارجاع ما سدده إليه... حتى في مسألة القروض هذه لم نعدل ولن نعدل.
المفروض أن تقوم عندنا ورشة تحديث تنال من كل مفاصل الصيغة الناظمة لحياتنا السياسية, وألا نخاف من قيام هذه الورشة... كل الشعوب تسعى للتطور والوصول إلى الصيغ الأفضل لحياتها, فلماذا نحن نعاكس هذا القانون الطبيعي, ونبدأ باطلاق النار على كل من ينادي بالتغيير, وهل عقولنا أصابها الخمول فعجزت عن قبول البدائل وإبداع صيغها?! التطور آت بقوة القانون الطبيعي, وسيمضي فينا كسائر الشعوب غصبا عن الذين يقاومونه ويحاولون منع مجيئه.
يبقى ان الذين طمأنوا المذعورين سيواجهون غدا مشاعر الخيبة لأنهم حاولوا طمأنة المصاب بالمرض العضال بحبة بنادول.
احمد الجارالله