عرفت الأنظمة الديمقراطية روائيين دخلوا مجال الحياة السياسية (من قبيل أوبتون سنكلير وماريو فارغاس لوسا) . وفي بعض الأحيان يتطلع السياسيون إلى أن يصبحوا روائيين( مثل جورج كليمنصو ونيوت غينغريتش). وفي كل حالة على وجه التقريب فإن رواياتهم قد استخدمت في وقت أو آخر بصورة خاطئة ضدهم في الحملات الانتخابية والحياة السياسية، على أساس المفهوم الخاطئ القائل إنه أيا كان ما يكتبه الروائي فلا بد أن يعكس بشكل محدود وجهات نظره.
وفي هذا الخريف، فإن جيمس ويب السياسي الديمقراطي قد تعرض للهجوم بضراوة لكتابته حوارا عاطفيا في وقت من الأوقات وبعض التفاصيل الحميمة في رواياته التي تحظى بتقدير النقاد. وقد ذهب منافسه جورج ألين إلى القول إن ويب لا بد أنه كان يتصف بالصفات السلبية نفسها التي اتصفت بها شخصياته في روايات مثل «الجنود المفقودون» و«ميادين النار» و«شيء للموت من أجله».
هكذا فإن مساعدي ألين قاموا بقطع عدد محدود من الجمل الباعثة على الشعور بالصدمة من ألوف النسخ من روايات ويب وألصقوها معا ووزعوها على الجميع كتعليق على أطروحات منافس لا يستند إلى قاعدة أخلاقية. وقد كان ويب بدوره على القدر نفسه من القسوة الذي اتسم به ألين في هجماته الشخصية. وهذا الطابع المقيت في الحالة الأخيرة الذي سمي، بالطبع، بفضيحة «نوفيلجيت» سيكون مثارا للضحك أيضا إذا لم يصبح درسا قيما فيما يتعلق بأزمنتنا المشوشة.
دعنا نلاحظ أولا أننا لم نعد نعيش في عصر الأدب ما قبل الفيكتوري عندما كانت الشخصيات ذات الخلق القويم والتي يمكن التنبؤ بتصرفاتها تعبر عن ألوان ورع المجتمع وأشكال تفاهاته. وبدلا من ذلك فإن الروائيين قد سعوا منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى أن يكونوا «طبيعيين» أو «واقعيين». وهم يبدعون شخصيات تتحرك وتبدو منحرفة على نحو ما يكون الناس حقا في بعض الأحيان، بدلا من أن يكونوا نبلاء دوما مثلما ينبغي أن يكونوا.
والمبدعون المبكرون في إطار مثل هذه الواقعية مثل إميل زولا وفرانك نوريس تعرضوا للانتقاد الشديد باعتبارهم على قدم المساواة مع أبطالهم، أوغادهم الوحشيين، وذلك على الرغم من أن هؤلاء المؤلفين كانوا أناسا من ذوي الأخلاق الرفيعة. وبالمثل فلقد عاش جيمس ويب حياة مثالية سوداء كجندي في فيتنام أو عندما كان في خدمة الحكومة (كان وزيرا للبحرية في إدارة رونالد ريغان) . وكون بعض الأمور المقيتة التي رآها أو سمع بها يمكن أن تشق طريقها إلى رواياته، عندما يعتقد أن الحبكة تقضي ذلك، لا يحدثنا بشيء عن تفصيلاته الأخلاقية، وإنما يحدثنا عن مهارته أو قصوره الأدبيين فحسب.
بعد أن قلنا هذا، فإن ذلك الجدل السخيف يذكرنا بضرورة أن نحترم الحدود بين الادعاء والواقع. ومن عصر الاتصالات التقنية المتقدمة والفورية على مستوى العالم، فإننا غالبا ما نجد أنفسنا وقد استبدت بنا الحيرة حول ما هو حقيقي وما هو مصطنع. والسفسطائيون ما بعد الحداثيين البارعين الذين يؤكدون لنا أنه «ليس هناك حقائق» لا يزيدون حيرتنا إلا تفاقماً.
عندما قامت وكالة رويترز سواء عن علم بذلك أم عن جهل به، ببث صور معالجة اصطناعيا، كانت تبث فنا غرافيا معداً باستخدام الكمبيوتر، فتلك السماء المتشحة بالدخان فوق بيروت لم تكن تصويرا فوتوغرافيا حقيقيا، وعمليات إلقاء الضوء الصحافية على العراق، مثل كتاب «حالة إنكار» لبوب وودوارد ربما يمكن الخلط بينها وبين الكتب التأريخية. وهي ليست بالكتب التأريخية حيث أن هوامشها قد أحالت القارئ إلى مصادر مجهولة لا يمكن التأكد من صحة ما تقوله.
والمشكلة لا تقتصر فقط على أنه يتم المضي بنا إلى الاعتقاد بأن فيلما أو كتابا لا بد أنه «صادق» بينما هو لا يكون كذلك في بعض الأحيان، وإنما المشكلة أيضا أننا غالبا ما نريد عن عمد أن نجعل شيئا ما واقعيا بينما لم يقصد به أن يكون كذلك قط. وقد ثارت موجة من الغضب الشديد، مؤخرا، على الدراما الوثائقية الخيالية، التي حملت عنوان «الطريق إلى الحادي عشر من سبتمبر». وتمثل الاتهام الذي وجه إليها في أنها لم تكن تقديما دقيقا للتاريخ، وذلك على الرغم من أن شركة إيه. بي. سي قد أصدرت تحذيرات متعددة من طبيعتها الخيالية عبر شاشات التلفزة الأميركية.
والآن يفترض بنا أن نصدق أن قصة خيالية ـ وتلك هي طبيعة الرواية ـ لا بد أنها بمثابة اختبار أخلاقي دقيق لمبدعها؟
إن فضيحة «نوفيلجيت» تطرح قضية أخرى ، فبدلا من إدانة السياسيين البارعين في التعبير الفني ينبغي أن نرحب بهم، وأميركا بحاجة إلى سياسيين أكثر تنوعا، إلى أناس ليسوا محامين ولا من أصحاب الملايين الذين غالبا ما يفوزون بالمناصب بالتزكية أو من خلال سلطة المال.
سيفتقر إلى الحيوية أولئك السياسيون الذين علمهم تدريبهم القانوني أو التجاري كيف يجمعون المال ولا يقولون شيئا له أهميته ولا يمكن أن يظهروا الشجاعة والجرأة عندما يتولون مقاليد مناصبهم. وفي الماضي عندما ساهم قادة متميزون ومخترعون وبناة وممثلون ومدرسون وطيارون وأطباء ومزارعون وروائيون في الديمقراطية فإن أفكارنا السياسية وخطاباتنا أصبحتا أكثر ثراء.
أيا كان الرأي في جيمس ويب فإنه على الأقل يجلب خلفية مختلفة إلى الحياة السياسية، وقد كتب عن انحراف البشر لأنه فيما يبدو رأى الكثير منه ورغب في أن يحذر القراء منه. وحياة ويب الماضية تبرهن على أنه شخص أفضل بكثير من الشخصيات الملتبسة التي يحس بأنه لابد أن يبدعها، وينبغي أن نعرف وأن نقدر مثل هذا الفارق في الوقت الذي نستعيد فيه الخط الفاصل بين الفن والواقع.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـ: «البيان»