الانتخابات الأميركية سلطت الضوء على الكثير من القضايا والمعضلات التي تعاني منها السياسة الاميركية الا ان اهم تلك القضايا هي العلاقة بين القادة والاستراتيجيات الأميركية. فالاستراتيجيات التي وضعت في فترة ولاية بوش تميزت بأنها من نسج القادة الذين تحكموا في خيوط اللعبة السياسية في إدارة بوش ولم ينسجوا تلك الخطط والاستراتيجيات فحسب بل أدوا الأدوار في إداراتها بطريقة استفادوا بها من ضعف أداء الرئيس بوش وقلة خبرته وفي بعض الأحيان غبائه ...!
وعليه فقد وقعت السياسة الأميركية في أهم الأخطاء التاريخية ألا وهي ان القرارات الإستراتيجية الحاسمة كانت من خلفيات القادة السياسيين وليس بفعل التفاعل المؤسساتي الذي تميزت به إدارة وتنفيذ السياسة الخارجية الأميركية .
هذا الأمر قاد إلى ان تنسحب أخطاء القادة على التكتيك في العمليات والأفكار ومن ثم في الاستراتيجيات العامة.وعليه فان عملية التغيير لإدارك الأخطاء في الاستراتيجيات أضحت غاية في الصعوبة الأمر الذي يعني ان الاستراتيجيات بدأت تبنى على أساس الأخطاء وليس تداركها.
لان تداركها يعني تغيير القادة الذين وضعوا أسسها وهو أمر صعب في إدارة بوش التي تعمل على أساس وجود هؤلاء القادة الذين يتحكمون في السياسة الأميركية وليس خبرة الرئيس الضعيفة .بعبارة أخرى ان القيادات الأميركية تلك وشبكة الأسماء والعناوين المرتبطة بهم هم في الواقع العقبة الأولى التي تقف في وجه اي تغيير تكتيكي في السياسة الأميركية حيال القضايا الأساسية وفي مقدمتها الحرب على العراق .
وهم أيضا قد ألغوا أهم ميزة للسياسة الأميركية ألا وهي المرونة والقدرة على التغيير والتجدد دون المساس بالأهداف العليا ومهما بلغت الأخطاء في التنفيذ. الأوساط السياسية الأميركية أضحت واعية إلى هذه المشكلة التي تعني ان اي تغيير في الاستراتيجيات لابد ان يبدأ أولا في التغيير في القيادات.
وقد علق جوزف بيدن عضو مجلس الشيوخ الأميركي بقوله انه كان واضحا للعالم انه في اي حال من الأحوال فان اي تغيير لن يطرأ على السياسة الأميركية إذا استمر رامسفيلد وزيرا للدفاع حيث كان رحيله شرطا مسبقا لأي تغيير متوقع. ومن هنا فان ما جرى في الانتخابات الأميركية ما هو إلا بداية لهذا التحدي .
فلجنة بيكر كان لابد لها ان تمر أولا باستقالة دونالد رامسفيلد الذي هو من أهم القادة الذين نسجوا خيوط اللعبة السياسية الأميركية منذ عام 2001 وهو القائد الفعلي لحرب أفغانستان وحرب العراق عام 2003. وصاحب أهم الأفكار والاستراتيجيات التي وضعت لإدارة الحكم في العراق ومع كل نفوذه وقوته في الإدارة الأميركية إلا أنه كان أول القادة الذين سقطو في إدارة بوش بالرغم من ان القوات الأميركية تمر بأحرج أوقاتها في العراق.
ويصف المراقبون رامسفيلد بأنه شخص قوي ومرن وأنه أحد قدماء السياسيين المحنكين. وقد كان رامسفيلد أصغر وزراء الدفاع في تاريخ الولايات المتحدة وأكبرهم سنا في الوقت ذاته حيث كان قد شغل هذا المنصب في عهد الرئيس جيرالد فورد بين عامي1975 و1977. كما كان بكل تأكيد أكثرهم إثارة للجدل.
وعلى الرغم من الجدل حول شخصيته إلا أن رامسفيلد عرف على أنه صلب وأن له شخصية عنيدة بما يحتاجه ذلك من مؤهلات ذاتية خاصة. وقد ألف كتيبا يجمل قوانين رامسفيلد المعروفة لدى النخبة في الأوساط السياسية الأميركية ويلخص 30 عاما من الأقوال والتصريحات الصادرة عنه وعن غيره.
وفي أحد الفصول تحت عنوان «كيف تتحلى بالصبر في البيت الأبيض» نقرأ ما يلي: «إذا لم تتعرض للانتقادات فأنت لا تقوم بعملك على الوجه الأكمل». وفي فصل آخر بعنوان «في خدمة الحكومة» نقرأ: «إذا خامرتك الشكوك، فلا تخضع لها أبدا. وإذا لاحقتك تلك الشكوك، فما عليك إلا أن تفعل ما هو صائب. وقد وصفه مرة نائبه السابق بول وولفوفيتز بأنه «مصدر للحيوية والطاقة المتجددة باستمرار. إنه يترك عاصفة صغيرة وراءه حيثما ذهب».
أما هنري كيسنجر فقد قال بشأن رامسفيلد إنه أقل الأشخاص الذين عرفهم تحليا بالرحمة والشفقة، مضيفا بأنه «سياسي محنك على الدوام ويمتزج في دواخله الطموح والقدرة والمواهب بسهولة تامة». لقد أمضى رمسفيلد 3 سنوات في البحرية الأميركية قبل أن يبدأ مشواره السياسي كمساعد لأحد أعضاء الكونجرس.
وبعد عشرين عاما تقلد فيها العديد من المناصب، عين وزيرا للدفاع للمرة الأولى، أي قبل 25 عاما تقريبا من إعادة استلامه لنفس المنصب الوزاري في عهد الرئيس بوش. سقوط أهم القادة في إدارة بوش أعقب تشكيل لجنة بيكر التي هي اول لجنة تشكل من نوعها بخصوص قضية العراق وأنشئت هذه اللجنه بعضوية روبرت غيتس الذي عينه الرئيس الأميركي جورج بوش خلفا لرامسفيلد .
كما تضم اللجنة عددا من الشخصيات من أبرزها جيمس بيكر الذي سيرأس اللجنة وليون بانيتا العضو السابق في المحكمة العليا وساندرا داي اكونور ووزير العدل السابق ادوين ميس.أهم التوصيات التي قدمتها اللجنة هي:
أولا: انسحاب سريع للجيش الأميركي من العراق وهو خيار يحظى بموافقة العامة وتأييدهم في حين ان القادة في البيت الأبيض وعلى اختلاف مشاربهم الفكرية والحزبية يرفضون هذه الفكرة التي تعني انهيارا لكل ما قامت به السياسة الأميركية من جهود لإعادة تواجدها في المنطقة
وسيطرتها على أهم مركز استراتيجي في الشرق الأوسط إضافة إلى صورة القوة التي ستنهار ليس في نظر الداخل فحسب بل في نظر القوى الكبرى الأخرى وخاصة ان حالة العراق أسوأ بكثير من اي حرب خاضتها الولايات المتحدة من قبل حيث ان الولايات المتحدة ومنذ أربعة أعوام تقاتل مجاميع ليس لها هيكل تنظيمي واضح أو قيادات سياسية يمكن التفاوض معها حول انسحاب يحفظ ماء الوجه.
ثانيا: انسحاب تدريجي على المدى الطويل وهذا خيار يحظى بقبول القيادات من الحزب الديمقراطي ويمكن تعليل ذلك إلى رغبة الديمقراطيين إلى ان تستمر قضية العراق خلال فترة ولاية بوش التي ستستمر إلى عام 2009 وبالتالي فان هذا النوع من الانسحاب سوف يتلاءم مع رغبتهم في ان تتولى إدارة بوش إتمام العمل الذي بدأت به في العراق .
في ذات الوقت فان هذا الخيار سوف يعرض الجيش الأميركي إلى خسائر كبيرة وذلك لاحتمال ان تقوم الجماعات المسلحة بمضاعفة عملياتها التي سوف تستهدف القوات الأميركية التي تعتمد بدورها على زخم القوة العددية في الدفاع عن نفسها.
ثالثا: وهو الحوار مع القوى الإقليمية المجاورة للعراق وخاصة إيران وسوريا هذا الخيار يلاقي قبوله لدى معظم القادة في الإدارة الأميركية وكذلك الحكومة البريطانية اقرب حلفاء الولايات المتحدة ولقد أكدت صحيفة «ذي غارديان» أن وزارة الخارجية البريطانية «تُحبذ اقتراحات لجنة جيمس بيكر، وزير الخارجية الأميركي السابق، في شأن أهمية الاتصالات مع طهران ودمشق».
وأضافت الصحيفة أن سياسيين ودبلوماسيين من بريطانيا والولايات المتحدة يعملون على مراجعة شاملة لهذه الخيارات الجديدة والتي تتضمن مسائل كان من غير الممكن التفكير فيها سابقا.وكان السفير البريطاني في بغداد دومنيك اسكويت والسفير البريطاني في واشنطن ديفيد مانينغ عملا على تقديم معلومات ساعدت في إعداد تقرير لجنة بيكر، في حين أكد مسؤول بريطاني إن «المناقشات تجري على نحو عاجل من أجل إنقاذ الموقف».
ولقد علق جيمس بيكر على هذا الخيار بالقول «أؤمن بالحديث إلى أعدائنا. فالسوريون والإيرانيون لايريدون عراقا مضطربا، ولهذا ربما يكون هناك بعض الإمكانات للحصول على شيء غير المعارضة من هاتين الدولتين». ونجاح هذا الخيار سوف يقدم خطوة كبيرة ربما ستحسب لصالح الولايات المتحدة
ولكن احتمالات فشله وارد جدا خاصة مع إصرار إيران على الاستمرار قدما في ملفها النووي وبالتالي فان الحوار مع إيران لم يكن سهلا خاصة وان هناك من يستبعد فكرة الحوار مع إيران داخل البيت الأبيض ويعتبره منعطفا خطرا في السياسة الأميركية ومستقبلها وخاصة قادة الصقور الذين يرون إيران في موقع العدو الذي لابد ان تستعد الولايات المتحدة إلى محاصرته ونزع فتيل قوته بأقصى قوة وليس التفاوض معه.
قيادات البيت الأبيض بزعامة بوش سوف تعاني خلال الشهور المقبلة من حصار الأغلبية الديمقراطية الذين سيتولون نتيجة لفوزهم في الانتخابات رئاسة لجان قوية في الكونجرس يمكن أن تستدعي مسؤولين للمثول أمامها وتجبر مسئولين في إدارة بوش على الإدلاء بشهاداتهم.
وسوف يستغل الديمقراطيون سلطتهم في تحديد جداول الأعمال لإخضاع خطة بوش الراهنة (في العراق) لتدقيق أشد وطرح بدائل مستمرة لن تكون حكرا على الرئيس بل سوف يكون مضطرا إلى تقبل بدائل الآخرين وحلولهم .كما سيحرص الديمقراطيون على عقد جلسات استماع في كل مكان ويجعلون حياته (بوش) صعبة فعمليات التدقيق التي سيقوم بها الديمقراطيون ستزيد الضغط على بوش مما قد يدفعه هو إلى التفكير بنفسه في تغيير المسار.
وعلى الرغم من إصرار بوش على القيام «بقفزة قوية في نهاية السباق» إلا أن غالبية الرؤساء الأميركيين عانوا من تراجع سلطتهم في العامين الأخيرين لهم في البيت الأبيض حين يتحول اهتمام الأميركيين إلى المرشح الرئاسي الجديد. ويتطلب التعاون والتفاوض مع الديمقراطيين عقلية مختلفة عن عقلية بوش الذي ظل يستمع إليهم طوال سنوات لكنه لم يعتمد سوى على حلفائه الجمهوريين لتمرير أولوياته في الكونجرس،
إلا ان الديمقراطيين لن يأتوا بشئ جديد حول العراق حيث ستستمر سياسة القوة مسيطرة على افكار القادة الاميركان على اختلاف انتماءاتهم الحزبية حيث يبدو ان قضية العراق تحاصر القادة الأميركان وتوقعهم في ممرات شديدة الضيق تؤدي إلى خيارات صعبة وبكلف عالية تحتاج إلى إسقاط بعض القيادات لتمرير أهم الاستراتيجيات التي قد تخرج السياسة الخارجية الأميركية من أزمة الخيارات المحدودة التي تهدد مكانتها ومصالحها الحيوية.
كاتبة عراقية