إدارة بوش قد تبادر إلى مفاتحة سوريا وإيران في أمر العراق ومصيره استجابة لما نصح به توني بلير الحليف الألصق للرئيس الأميركي وما يتوقع أن توصي به لجنة جيمس بيكر التي عينها بوش. لكن إذا لم تكن الولايات المتحدة على استعداد مقدما لدفع الثمن الذي ستطالب به قطعا كل من دمشق وطهران ـ أو على الأقل قبول مبدأ التفاوض حول ثمن ـ فإن إدارة بوش تكون قد نسيت درس تبادل المصالح كأساس للتفاوض بين الدول. ذلك الدرس الابتدائي الذي يتلقاه حتى ناشئة الدبلوماسيين في الدورات التدريبية.
ولنتساءل أولا: ماذا تريد الإدارة الأميركية في سوريا وإيران؟ لقد أصبح الانسحاب الأميركي من العراق مجرد مسألة وقت، وبينما لا تمانع إدارة بوش في أن تخلف وراءها عراقا مقسما إلى ثلاث دول ـ شيعية وسنية وكردية ـ فإنها تريد أن تضمن أولا أن الدولة الشيعية لن تشكل كقاعدة خاضعة للنفوذ الإيراني الايديولوجي تهديدا للكويت والسعودية ومناطق الخليج الأخرى.
وبينما ليس هناك تخوف أميركي من قيام كيان دولة كردية عراقية فإن بوش يريد أن يطمئن إلى أن الدولة السنية الثالثة لن تتحول إلى قاعدة «إرهابية» معادية لإسرائيل والولايات المتحدة بدعم عبر الحدود من سوريا. ولكن على إدارة بوش أن تدرك أولاً أنها ليست في موقف لأن تفرض مطالب الضمان على دمشق وطهران كشروط.
وإذا أخذنا في الاعتبار الضعف الأميركي في العراق فإن كلا من القيادة السورية والقيادة الإيرانية ستطلب ثمنا بطبيعة الحال مقابل ما تطلب واشنطن من خدمات ـ هذا إذا وافقتا أصلا على الدخول في عملية تفاوضية مع الجانب الأميركي. ولا نحتاج إلى قدرة خيال استثنائية لنستطيع أن نتصور طبيعة المطالب من لدن دمشق وطهران.
سوريا ستطالب الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لتحملها على الجلاء الفوري من مرتفعات الجولان دون أي شروط بينما ستطالب إيران أولا بأن تقلع واشنطن نهائيا عن معارضة البرنامج النووي الإيراني.. وثانيا بأن ترفع الولايات المتحدة يدها عن لبنان لكي يستطيع «حزب الله» أن يكون القوة المهيمنة في الساحة السياسية اللبنانية.
ربما ينتهي التفاوض الأميركي مع كل من سوريا وإيران إلى فشل وبالتالي يبقى الوضع كما هو عليه: مزيد من التورط الأميركي الدموي في العراق على طريق مشهد فيتنامي يضاعف من حدة التذمر داخل الولايات المتحدة.
ولكن في كل الأحوال ستدرك الطبقة الحاكمة الأميركية أكثر من أي وقت مضى مدى ارتهان التحرك الدولي الأميركي لإسرائيل وضمان أمنها على حساب متطلبات الأمن القومي للقوة العظمى. فابتداءً شنت أميركا الحرب على العراق من أجل اعتبارات أمن إسرائيل كما أقر بذلك مؤخراً جورج بوش نفسه. وتعادي أميركا حزب الله اللبناني لأنه يشن مقاومة تحريرية ضد احتلال إسرائيلي.
وتعادي سوريا لأنها أولا تريد استرداد أرض تحت احتلال إسرائيلي. وثانيا لأنها ترفض التفاوض على أساس شروط إسرائيلية. وثالثا لأنها تتحالف مع فصائل فلسطينية ترفض اتفاق أوسلو. بنفس القدر تعادي أميركا إيران لأنها أولا مصدر المدد الأساسي لحزب الله ولأنها ثانيا تقوم بتطوير برنامج نووي قد يمثل تهديداً بعيد المدى لإسرائيل. ولن يغير الله ما بأميركا حتى تغير ما بنفسها.