هل اتخذ قرار دولي بإبادة الشعب العراقي أو بالأحرى بإبادة مكوّن مهم من مكوناته؟ السؤال يستمدّ مشروعيته من مشاهد عشرات ومئات الجثث التي يمثّل بها وتلقى على الأرصفة في شوارع بغداد وغيرها من المدن.. وكذلك من مشاهد المقابر الجماعية وهي تبتلع مئات وآلاف الجثث مجهولة الهوية كل أسبوع.

سوف لن نسقط في فخّ ذلك التساؤل الساذج والذي تختفي وراءه السلطات العراقية والقائل بأنهم يجهلون من يقتل من؟ لأن هويات القتلة معروفة تماما مثل هويات الضحايا.. فحين تدكّ مدفعية الهاون لأيام متتالية حي الأعظمية في بغداد فإن المواقع التي تنطلق منها القذائف معلومة ومطلقو هذه القذائف معروفون.. تماما مثل هويات الضحايا وهم من أبناء الطائفة السنية.

وحين تمتنع وزارة الصحة عن فتح مصرف للدم في مستشفى المدينة لنجدة المصابين فإ وكيل الوزارة الذي يستند إلى حقد طائفي أعمى بصره وبصيرته يدرك جيّد الادراك ماذا يصنع.. ويعرف جيدا نتيجة رفضه نجدة الضحايا وهي المزيد من القتلى والمزيد من الإبادة.

وحين تداهم فرق الموت المعروفة للجميع، الأهالي الآمنين في بيوتهم وتقتادهم الى دهاليز التعذيب والتصفية الجسدية والتنكيل بجثثهم، فإن الصمت إزاء هذه المآسي التي تتكرّر كلّ يوم يطرح تساؤلا عن حقيقة المخططين وحقيقة علاقتهم بالمنفذين وإن لم يكونوا يتحرّكون وفق مخطط واضح المعالم وينفذ على نار هادئة ويستهدف إبادة طائفة عراقية واجتثاثها من على وجه الأرض.

ولتبلغ العبثية قمّتها جاءت عملية الاختطاف يوم أمس ـ والتي تمّ فيها اختطاف 100 موظف بالتمام والكمال من وزارة التعليم العالي واقتيادهم إلى مكان أكد وزير التعليم العالي أنه يقع في محيط وزارة الداخلية العراقية، فهل يعقل أن يتحرّك طابور من المجرمين تعداده بالمئات ليتمكن في وقت وجيز من إخراج مائة موظف ومن ثمّ اختطافهم دون أن تلحظهم عيون ما يسمّى الأمن العراقي وقوات الاحتلال الأميركي؟

وهل يعقل وبعد تنفيذ عملية الاختطاف أن يتحرّك طابور ـ طويل عريض ـ من الشاحنات أو الحافلات التي تنقل الخاطفين والمختطفين دون أن تستوقفهم قوات الاحتلال وعملاؤها ودون أن يعرف هؤلاء وأولئك الوجهة النهائية للمخطوفين؟

إنّ التستّر وراء مقولة إن فرق الموت تنتمي إلى كلّ الطوائف أمر مردود على أصحابه لأن الوقائع أثبتت أن المآسي الكبيرة تسلّط غالبا على أبناء الطائفة السنية.وأن رئيس الحكومة العراقية سرعان ما يستعيد قدرته على التحرّك وتوفير الحماية كلّما تعلّق الأمر بإشكالات تعرّض لها أبناء طائفته.

ولفهم حقيقة ما يجري فإنه لا بدّ من التساؤل حول الغايات والأهداف التي تغذي هذه الحرب القذرة وتصبّ الزيت على نار الإبادة الشاملة التي تتعرّض لها الطائفة السنية في العراق،وهي غايات وأهداف باتت معلومة للجميع وتلتقي حولها أطماع إقليمية ومحلية لها مصلحة في تقسيم العراق.

ولئن كان رموز المليشيات الشيعية القادمين على ظهور دبابات الاحتلال الأميركي يجاهرون بسعيهم الى تقسيم العراق على أسس عرقية وطائفية تحت مسمى ما بات يعرف ـ الفيدرالية ـ ، فإن أطماعا إقليمية ما فتئت تدفع في هذا الاتجاه إرواء لأحقاد دفينة وخدمة لأهداف سياسية تمرّ عبر تجزئة العراق.

أما إسرائيل فإنها ما فتئت تصرخ بأن الحل الأنسب لها هو تقسيم العراق لإضعافه وضمان تحييده نهائيا من معادلات المنطقة خاصة وهي تشهد بدايات التململ الأميركي نتيجة ورطة العراق وما أفرزته من انعكاسات على صقور اليمين المسيحي المتطرّف في واشنطن.

وإجمالا، فإذا نظرنا إلى الأهداف المرسومة وإلى طبيعة الأدوات المستعملة في هذه الحرب القذرة وطبيعة ضحاياها فإنه يصبح بإمكاننا رسم صورة الجناة وصورة المجرمين الضالعين في حرب الإبادة هذه.. ومن ثمّ المطالبة بتعقّبهم واستئصال شرورهم وتخليص العراق والعراقيين من هذا الكابوس الذي يدفعهم دفعا إلى أتون الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر.

فهل يرف جفن الأشقاء العرب والمجتمع الدولي وهل تستفزّ ضمائرهم النائمة تلك المشاهد المرعبة للجثث المكدّسة والمقابر الجماعية المنتشرة فيتحرّكون لوقف المأساة قبل الحريق الكبير؟